نصر حامد أبو زيد

172

الاتجاه العقلي في التفسير

سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ ، وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ وقال : يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ أي سبحن معه وقال : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً . وقال في جهنم : تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ أي تتقطع غيظا عليهم كما تقول : فلان يكاد ينقد غيظا عليك ، أي ينشق . وقال : إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً . وروي في « الحديث » أنها تقول : « قط قط » أي حسبي ، وهذا سليمان عليه السلام يفهم منطق الطير وقول النمل . . . وهذا « رسول اللّه » صلى اللّه عليه وسلم ، تخبره الذراع المسمومة ويخبره البعير أن أهله يجيعونه ويدأبونه » 128 . وعلى الرغم من أن محافظة ابن قتيبة على المعنى الحرفي لأمثال هذه الآيات « أجدت على الحاسة الدينية أكثر مما أغنى التأول المجازي الحاد » 129 فإنها من جانب آخر لم تلمح ما سبق أن قرره ابن قتيبة نفسه من ضرورة التعبير المجازي . على أن ابن قتيبة - وهو من رجال الحديث - يعتمد على كثير من المرويات المأثورة ليدعم بها وجهة نظره ، وبذلك يكون أقرب إلى وجدان المسلم العادي من تأويلات المعتزلة . وإذا كان ابن قتيبة لا يردّ على المعتزلة وحدهم ، وإنما يردّ على كل المتأولين والطاعنين في القرآن ، فمن الطبيعي أن يتسع مفهوم « المتشابه » عنده . وتعريفه لأصل المتشابه بأنه « أن يشبه اللفظ اللفظ في الظاهر ، والمعنيان مختلفان » 130 يعود بنا إلى المفهوم « المتشابه » عند المفسرين ، وعند مقاتل في « الأشباه والنظائر » . ولكن ابن قتيبة يتجاوز هذا المعنى الحرفي - الأصلي - للتشابه ليدل به على كل ما غمض عموما ، وبذلك يكون معنى « المتشابه » « الغامض » ومنه يقال : اشتبه علي الأمر ، إذا أشبه غيره لم تكد تفرق بينهما ، وشبهت علي إذا ألبست الحق بالباطل ، ومنه قيل لأصحاب المخاريق : أصحاب الشبه لأنهم يشبهون الباطل بالحق . ثم قد يقال لكل ما غمض ودق : متشابه ، وإن لم تقع الحيرة فيه من جهة الشبه بغيره ، ألّا ترى أنه قد قيل للحروف المقطعة في أوائل السور : متشابه ، وليس الشك فيها ، والوقوف عندها لمشاكلتها غيرها ، والتباسها بها » ( تأويل مشكل القرآن ، 101 - 102 ) . وهكذا إذا كان معنى « المتشابه » يعود في الأصل إلى التشابه ، فإن الكلمة قد تعني الغموض عامة . ولكن السؤال الذي يحاول أن يجيب عليه ابن قتيبة ، وواضح أن الطاعنين في القرآن كانوا قد طرحوه هو : إذا كان القرآن قد نزل على لغة العرب ، وعلى أسلوبها وطرائقها كما يقول ابن قتيبة نفسه ، فكيف أشكل أو غمض على العرب معرفة معاني بعض آياته ، حتى احتاجوا لمن يقدح لهم زناد فكره ، ويستخرج لهم معانيه بردها إلى الأسلوب العربي ؟ والسؤال