نصر حامد أبو زيد

169

الاتجاه العقلي في التفسير

وأن كل آية منه ثابتة واجب حكمها بوجوه تنزيلها وتأويلها ، ولذلك ما وقعوا في التشبيه وجادلوا عليه لما سمعوا عن متشابه الكتاب فلم يحكموا عليه بالآيات التي جاءت بنفي التشبيه » 120 . ويمثل ابن قتيبة الطرف المقابل للمعتزلة في الهجوم على صاحب هذا الرأي ، ويعتبره أشد تناقضا من المعتزلة ومن أهل التأويل جميعا . يقول « فتهجم من قبيح مذاهبه وشدة تناقض قوله على ما هو أولى بأن يكون تناقضا مما أنكروه » 121 . وإذا كان الجاحظ - كما سبق أن أشرنا - قد استغلّ المجاز - بأنواعه المختلفة - لتأويل بعض الآيات القرآنية للرد على الطاعنين في القرآن والذين يتهمونه بالتناقض ، ويحاولون التشكيك في عربيته وبلاغته ، فإنه لم يشر من قريب أو بعيد إلى « المحكم والمتشابه » ، ربما لأن الآيات التي تعرّض لها بالتفسير والتأويل كانت من ذلك النوع الذي استدعاه سياق الموضوع الذي كان يكتب فيه . ومن جهة أخرى فقد كان الجاحظ يتعرّض أحيانا - وبشكل عارض - للرد على بعض التأويلات ، خصوصا على الشيعة في قولهم بإمامة علي بالنص 122 ، وهو في هذه الردود والتأويلات كلها لا يخضعها لذلك القانون العام عند المعتزلة ، قانون المحكم والمتشابه . ومن الصعب على أي حال القول بأن الجاحظ لم يكن يعرف هذا القانون ، وقد كان معروفا قبله ، كما أن له كتابا - لم يصل إلينا - في الرد على المشبهة سبقت الإشارة إليه . ولكن معاصرا للجاحظ هو ابن قتيبة ( ت 276 ه ) ربط ربطا محكما بين مجالات التأويل والمجاز والمحكم والمتشابه . وواضح من كتابه ، كما في « تأويل مختلف الحديث » ، عنايته بالرد على كثير من آراء الجاحظ وتسفيهها 123 الأمر الذي يجعلنا نفترض أن الجاحظ كانت له في المحكم والمتشابه آراء لم تصل الينا . وتسمية كتابه عن القرآن باسم « تأويل مشكل القرآن » له دلالته الواضحة فيما نحن بصدده . ولكن مفهوم « المتشابه » عند ابن قتيبة يتسع ليشمل كل الآيات التي كانت محلا للطعن في القرآن أو التشكيك في عربيته وبلاغته . جدير بالذكر أنه - على عكس المعتزلة - لا يضع المحكم مقابلا للمتشابه ، ولا يردّ المتشابه إلى طريقة العرب في التعبير ، وبذلك يعدّ المجاز وحده هو مدخله للتأويل . ونتيجة لذلك فقد كان من الطبيعي أن يتسع مفهوم المجاز عنده كما سبقت الإشارة . ومما يؤكد الغاية الدفاعية لابن قتيبة في الكتاب الرد على منكري السحر والجن خصوصا رأي النظّام الذي يورده الجاحظ في « الحيوان » 124 ويتسع سلاح التأويل المجازي ليتجاوز القرآن إلى الكتب المقدسة الأخرى ردا على النصارى في