نصر حامد أبو زيد

170

الاتجاه العقلي في التفسير

قولهم أن المسيح ابن اللّه « أما « المجاز » فمن جهته غلط كثير من الناس في التأويل ، وتشعبت بهم الطرق ، واختلفت النحل . فالنصارى تذهب في قول المسيح عليه السلام في « الإنجيل » : « أدعو أبي وأذهب إلى أبي » وأشباه هذا ، إلى أبوة الولادة . ولو كان المسيح قال هذا في نفسه خاصة دون غيره ، ما جاز لهم أن يتأوّلوه هذا التأويل في اللّه - تبارك وتعالى عمّا يقولون علوّا كبيرا - مع سعة المجاز ، فكيف وهو يقوله في كثير من المواضع لغيره ؟ كقوله حين فتح فاه بالوحي : « وإذا تصدقت فلا تعلم شمالك بما فعلت يمينك ، فان أباك الذي يرى الخفيات يجزيك به علانية ، وإذا صليتم فقولوا : يا أبانا الذي في السماء ليتقدّس اسمك ، وإذا صمت فاغسل وجهك وادهن رأسك لئلا يعلم بذلك غير أبيك » 125 وبذلك لا يختص المسيح وحده بأن يكون ابنا للّه ، إن صحّ أخذ هذه العبارات على ظاهرها . ولذلك فلا بدّ من اعتبارها عبارات مجازية . ويستشهد ابن قتيبة على ذلك بأبيات من الشعر العربي سميت فيه الأرض أما ، ويستشهد كذلك بآيات من القرآن مثل « فأمه هاوية » للدلالة على أن التعبير بالأم لا يقصد به أصل المعنى ، ولكن « لمّا كانت كافلة الولد وغاذيته ومأواه ومربيته وكانت النار للكافر كذلك جعلها أمه » 126 . ومما يؤكد أهمية « المجاز » عند ابن قتيبة كأداة للتأويل وإزالة التناقض الذي اتهم به القرآن ، أنه يكاد يرفع المجاز إلى مستوى الضرورة اللغوية التي لا محيص عنها للمتكلم . وقد كان من الممكن لهذا الرأي أن يميز ابن قتيبة عن معاصريه جميعا ، ولولا أنه يعود - بعد ذلك - ليربط المجاز بالمواطأة بين المتكلمين ، وهو بذلك يعيد المجاز لمستوى العرف اللغوي ، لا مستوى الضرورة التعبيرية . ومن ناحية أخرى فإنه في ردوده على المعتزلة يبدو محافظا في رغبته في ابعاد المجاز عن الآيات التي استشهد بها المعتزلة ، ورغبته في أخذها على مستواها الحقيقي الحرفي كما رأينا في اشتراطه للمجاز ألّا يؤكّد بأي صيغة من صيغ التأكيد ، وكما رأينا في ايمانه بكلام حقيقي لجهنم وللسماء وللأرض ، وبأن كلام اللّه كلام حقيقي . . الخ كل ذلك . ولذلك يبدو ابن قتيبة في ردوده على الطاعنين في القرآن متحمسا حماسا شديدا للتأويل المجازي ، بينما يبدو في رده على المعتزلة متحمسا لأخذ الآيات على ظاهرها دون تأويل . « وأمّا الطاعنون على القرآن » « بالمجاز » فإنهم زعموا أنه كذب لأن الجدار لا يريد والقرية لا تسأل . وهذا من أشنع جهالاتهم ، وأدلها على سوء نظرهم وقلة أفهامهم . ولو كان المجاز كذبا ، وكل فعل ينسب إلى غير الحيوان باطلا - كان