نصر حامد أبو زيد

150

الاتجاه العقلي في التفسير

إِلى عُنُقِكَ يقول لا تمسك يدك من النفقة بمنزلة المغلولة يده إلى عنقه فلا يستطيع بسطها ، وكقوله في المائدة وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ قالوا أمسك اللّه يده عن النفقة علينا فلا يوسع في الرزق ، كما فعل لهم في زمان بني إسرائيل فهذا مثل ضربه اللّه تبارك وتعالى » 33 . وهنا لا يجد مقاتل لليد معنى سوى أنها مثل ، وبذلك يلتقي التأويل والمصطلح البلاغي . وواضح أن كلمة « مثل » لا تشير إلى اليد وحدها ، بقدر ما تشير إلى الصورة الكلية ، صورة اليد المغلولة إلى العنق تعبيرا حسيا عن الامساك في النفقة . وفي مادة « فوق » يضع مقاتل قوله تعالى يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ في الوجه الثاني من وجوه « فوق » يعني أفضل ، فذلك قوله في الفتح يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ يقول فعل اللّه بهم الخير أفضل من فعلهم في أمر البيعة يوم الحديبية » 34 وهو هنا في تفسيره العام للآية يفسر « اليد » بأنها « الفعل » ويؤكد ذلك بوضع هذه الآية نفسها في الوجه الثالث من وجوه « اليد » « والوجه الثالث : يد : يعني فعل . فذلك قوله في يس : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً ، وقال في الفتح : يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ يعني فعل اللّه بهم الخير أفضل من فعلهم في أمر البيعة يوم الحديبية . وقال في يس : وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ يعني لم يكن ذلك من فعلهم . وقال في الحج : ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ يعني بفعلك » 35 وإذا كان هذا المعنى ينطبق على العبارات « عملت أيدينا » و « قدمت يداك » و « عملته أيديهم » لوجود الفعل « عمل » في اثنتين منهما والفعل « قدم » في ثالثتهما ، فإنه لا يمكن أن ينطبق على قوله تعالى يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ لا بتركيبها ولا في سياقها ومناسبة نزولها . فلم يكن اللّه - عز وجل - في معرض المنّ على المبايعين ، بل كان في معرض الثناء عليهم إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً . ولقد أدرك الزمخشري سياق الآية وطبيعتها التصويرية حين فسّر الآية « على طريق التخييل فقال يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ يريد أن يد رسول اللّه التي تعلو أيدي المبايعين هي يد اللّه ، واللّه تعالى منزّه عن الجوارح وعن صفات الأجسام ، وإنما المعنى تقرير أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع اللّه من غير تفاوت بينهما كقوله تعالى : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ 36 واستخدام الزمخشري لكلمة « تخييل » يثير حساسية مفسّر كابن المنير السني وإن كان لا يعترض على التأويل ، ولكنه يفضل على « التخييل » كلمة « مثل » بقوله : « كلام حسن بعد اسقاط لفظ التخييل وابداله بالتمثيل » 37 ولا يمكن تفسير حساسية ابن المنير إزاء لفظ « التخييل » إلّا بما سبق أن أسلفناه من أن استخدام لفظ « مثل » في القرآن أعطاه شرعية لدى المفسرين عموما لم يتمتع بها أي