نصر حامد أبو زيد
151
الاتجاه العقلي في التفسير
مصطلح بلاغي آخر ، هذا إلى « جانب السمعة السيئة التي اكتسبتها كلمة تخييل » 38 في تاريخ النقد العربي عامة . ومما يتصل بقضية التوحيد نفي المكان عن اللّه ، ويبدو مقاتل في هذه الناحية أقرب للتأويل وأبعد عن التجسيد أو التشبيه ، ففي الوجه التاسع من وجوه « فوق » يقول : « فوق يعني في السلطان والقهر ، فذلك قوله في الأنعام : وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ يعني سلطانه فوق سلطان العباد وملكه وأمره . وحكى في الأعراف قول فرعون : سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ يعني سلطاني وأمري فوق سلطانهم ، قاهرهم بذلك بالسلطان والملك » 39 ، وهذا التأويل للفوقية لا يختلف عن تأويل الزمخشري ، بل يكاد الزمخشري يردد نفس ألفاظ مقاتل ويستشهد بنفس الآية : « يقول : فَوْقَ عِبادِهِ تصوير للقهر والعلو بالغلبة والقدرة كقوله وإنّا فوقهم قاهرون » 40 والزمخشري هنا يستخدم كلمة « تصوير » كما استخدم في الآية السابقة كلمة « تخييل » وغني عن البيان صلة كلتا الكلمتين بالمجاز بمعناه العام الشامل . وإذا كان المعتزلة ينفون نفيا قاطعا امكانية رؤية اللّه عز وجل ، على أساس أن الرؤية لا تجوز إلّا على الأجسام المتحيزة في المكان والقائمة في جهة ، وبذلك يذهبون إلى نفي الرؤية في الدنيا والآخرة على السواء ، فإن مقاتل يذهب إلى جواز الرؤية والنظر إلى وجه اللّه . ويذهب إلى أن الرؤية لا تجوز في الدنيا ، وأنها لا تحدث إلا في الآخرة . ولا يعرض مقاتل لهذه القضية بشكل مباشر ، بل يتعرّض لها في ثنايا حديثه عن وجوه لألفاظ بعيدة بمادتها عن قضية الرؤية . ففي معنى أو وجوه كلمة « الحسنى » يرى أنها في الوجه الأول تعني الجنة « فذلك قوله في يونس : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى يعني الذين وجدوا لهم الحسنى يعني الجنة ( وزيادة ) يعني النظر إلى وجه اللّه » 41 . ويعود لنفس القضية في مادة « أول » . يقول : « والوجه الثالث : أول يعني أول المؤمنين بأن اللّه لا يرى في الدنيا . فذلك قوله في الأعراف : قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً ، فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ يقول أنا أول المصدّقين بأنك لن ترى في الدنيا » 42 وجدير بالذكر أن الآية الأولى « الحسنى » سيسهل على المعتزلة رفض تأويلها على هذا المعنى الذي ذهب إليه مقاتل ، بينما سيضطربون في الآية الثانية اضطرابا شديدا كما سنعرض له في مكانه . يتعرّض مقاتل في مادة « العلم » لعلم اللّه ويؤوله على ثلاثة وجوه « فوجه