نصر حامد أبو زيد
149
الاتجاه العقلي في التفسير
معرفة المتشابه على هذا التفسير . ومقاتل يضع هذا التفسير في الوجه الأول لكلمة « تأويل » . يقول : « تأويله : يعني منتهى كم يملك محمد وأمته ، فذلك قوله في آل عمران : ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ يعني منتهى كم يملك محمد وأمته ، وذلك أن اليهود أرادوا أن يعلموا من قبل حساب الجمل كم يملك محمد وأمته ثم ينقضي ملكه ويرجع الملك إلى اليهود ، قال اللّه وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ يعني وما يعلم تأويل كم يملك محمد وأمته إلّا اللّه ، لا يعلم ذلك إلّا اللّه بأنهم يملكون إلى يوم القيامة ولا يرجع الملك إلى اليهود » 30 وهذا التفسير ينفي وعي مقاتل بالمعنى الاصطلاحي للمحكم والمتشابه ، وإن كان لا ينفي وعيه بمصطلح التأويل الذي يحدد وجوهه الأخرى في القرآن . أمّا الوجه الثاني لكتاب مقاتل - والذي يهمنا الحديث عنه لاتصاله المباشر بموضوع الدراسة - فهو ما أثير عنه من القول بالتجسيد والارجاء 31 وهما فكرتان تصدّى المعتزلة لابطالهما بكافة الوسائل ابتداء بالتدليل العقلي وانتهاء بتأويل النصوص التي يوهم ظاهرها التجسيد أو الارجاء . وإذا كان الأشاعرة - وهم تلاميذ المعتزلة - لم يختلفوا مع المعتزلة فيما ذهبوا إليه من التنزيه وتأويل النصوص التي توهم مشابهة اللّه لخلقه ، وهم بذلك لا يعدّون خصوما للمعتزلة في قضية التوحيد ، باستثناء خلافهم حول رؤية اللّه عز وجل . إذا كان الأشاعرة كذلك ، فإن المجسّدة والظاهرية يعدّون خصوصا للمعتزلة في هذا الجانب . ومن هنا تنبع أهمية الوقفة مع آيات الصفات لنرى كيف يفسّرها مقاتل . يتعرّض مقاتل لكلمة « يد » ووجوهها المختلفة في القرآن ، ويرى أنها على ثلاثة وجوه « فوجه منها : اليد يعينها ، فذلك قوله في « ص » لإبليس ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ يعني بيدي الرحمن تبارك وتعالى ، خلق آدم بيده التي بها قبض السماوات والأرض ، يعني اليد بعينها وقال في المائدة : بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يعني اليد بعينها وقال لموسى عليه السلام : وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ يعني اليد بعينها » 32 واشارته إلى أن « اليد » المقصود بها « اليد بعينها » معناه أنه يفسّر اليد تفسيرا حرفيا بمعناها الأصلي وهو الجارحة المعروفة . ثم وضعه للآية التي يتحدث القرآن فيها عن يد موسى في وجه واحد مع الآيات التي تتحدث عن يد اللّه يؤكد النزعة الحسية - ولا أقول التجسيدية - للتفسير عند مقاتل . وحين يتعرّض مقاتل لليد في آيات أخرى مثل قوله تعالى : وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ يعتبر ذلك مثلا ويضع الآية في الوجه الثاني « فهو مثل ضربه لليد في أمر النفقة فذلك قوله في بني إسرائيل للنبي - صلى اللّه عليه وسلم - : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً