نصر حامد أبو زيد

14

الاتجاه العقلي في التفسير

ذلك كل من قالوا بأن عبد اللّه بن سبأ سعى للفتنة لحقده على الإسلام ورغبته في الكيد لأهله . وقد كان أهل الشام - تحت أمرة معاوية بن أبي سفيان - من القوى المساندة لعثمان بحكم أن معاوية من المستفيدين بخلافته ، ولذلك كان من الطبيعي أن لا يستطيع أهل الشام المشاركة في الثورة على عثمان . ولقد احتفظ معاوية بقواه العسكرية في حالة حياد ، حتى ليغلب على الظن أنه تماطل في إرسال العون إلى عثمان بالمدينة حتى قتله الثوار ، ثم ثار بعد ذلك مطالبا بدمه وقاتله ومرتديا قميصه الملطّخ بالدم . وقد بلغ من ذكاء معاوية السياسي أنه لم يتدخل في الحرب بين علي وطلحة والزبير مكتفيا بالمساندة الكلامية لطلحة والزبير ، وذلك حتى تقضي إحدى القوتين على الأخرى ، ثم ينشط هو بقواته الكاملة للقضاء على القوة المنتصرة . من الصعب إذن التيقن مما إذا كان معاوية - والقوى التي ساندته - يعمل لحساب بني أمية منذ أول الفتنة ، أم أنه كان يعمل لحساب عثمان حتى قتل ثم تحوّل ليعمل لحساب نفسه بعد ذلك ، وكلا الأمرين على أي حال سواء في الدلالة على الجذور الاقتصادية والاجتماعية للفتنة وما ترتّب عليها من خلاف سياسي وديني . نجحت الثورة في تحقيق هدفها ، واستطاع الثوار - والمصريون على رأسهم - ان يفرضوا علي بن أبي طالب خليفة على المسلمين بعد عثمان . ولكن الفتنة كانت قد كسرت - فيما كسرت - إجماع أهل الحل والعقد في الدولة الاسلامية ، أعني الصحابة أنفسهم . وقد تجلّى ذلك في أن البيعة لعلي لم ينعقد عليها الإجماع الذي انعقد لسابقيه ، وإن انعقد عليها إجماع من نوع جديد ، هو إجماع عامة المسلمين الذين كانوا يشكّلون جماهير الثورة ضد عسف حكّام عثمان وولاته . 11 وقد كان على علي أن يواجه كل القوى المناهضة له ، ومنها زعامات لها قدرها وشرفها الديني مثل طلحة والزبير والسيدة عائشة . ومن الطبيعي أن يكون دم الخليفة المقتول هو الستار الذي يخفي حقيقة الصراع وأبعاده . وكانت موقعة « الجمل » التي انتهت بانتصار علي بن أبي طالب هي المواجهة العسكرية الأولى للقوى المتصارعة . وظلّ معاوية في انتظار ما تسفر عنه الأحداث . وحين انتصرت القوى الموالية لعلي ، خرج معاوية مرتديا نفس الرداء ومطالبا بقاتل عثمان وثأره . وليس من قبيل الصدفة أن يوجد في معسكر علي كل من عمار بن ياسر وأبو ذر الغفاري وعبد اللّه بن سبأ المعترضين على سياسة عثمان ومعاوية ، والذين تعرّضوا للنفي والتشريد ، رغم جلال قدر بعضهم وصلتهم بالرسول صلى اللّه عليه وسلم وصحبتهم الطويلة له .