نصر حامد أبو زيد

15

الاتجاه العقلي في التفسير

وفي هذا الصراع الدموي كانت ثمّة قوة أخرى اعتزلت هذا الصراع ، وخشيت الخوض في الفتنة كسعد بن أبي وقاص وعبد اللّه بن عمر وعمران ابن الحصين وأبي بكرة وغيرهم ممن وقف موقف الحياد في النزاع ، وحجتها في ذلك الحديث الشريف الذي رواه أبو بكرة عن الرسول صلى اللّه عليه وسلم « ستكون فتنة ، القاعد فيها خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي إليها ، إلّا إذا نزلت أو وقعت فمن كان له إبل فليلحق بإبله ، ومن كان له غنم فليلحق بغنمه ، ومن كان له أرض فليلحق بأرضه » 12 فالقعود هنا يعني التحرّج عن الخوض في هذا الصراع الذي لا يعرف المحق فيه من المبطل . ولقد تطوّر هذا التوقف فيما بعد - بعد انتهاء الأمر إلى معاوية - إلى نزعة تبريرية أطلق عليها اسم الإرجاء وأطلق على أصحابها اسم المرجئة . وإذا كان القعود - الذي حاول أن يتزيا بالدين ويعتصم به - كانت له مبرراته في الصراع بين علي وغيره من الصحابة وفيهم زوج الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، السيدة عائشة ، فإنه بعد ذلك تحوّل إلى طاقة تبريرية وصلت إلى حد القول - رواية عن الرسول - « وكن حلس بيتك فإن دخل عليك فادخل مخدعك فإن دخل عليك فقل بؤ بإثمي وإثمك وكن عبد اللّه المقتول ولا تكن عبد اللّه القاتل » 13 « أي افعل هذا في زمن الفتنة ، واختلاف الناس على التأويل وتنازع سلطانين كل واحد منهما يطلب الأمر ويدّعيه لنفسه بحجة . يقول فكن حلس بيتك في هذا الوقت ولا تسل سيفا ولا تقتل أحدا فإنك لا تدري من المحق من الفريقين ومن المبطل واجعل دمك دون دينك » 14 ومن شأن هذا المنطق السلبي أن يضيف للظلم قوة عن طريق الانتقاص من قوى الحق بهذه السلبية ، وهو ما عبّر عنه الرسول بقوله : « الساكت عن الحق شيطان أخرس » . ولكن المرجئة في الواقع لم تظل على سلبيتها هذه ، بل شاركت - في أواخر العصر الأموي - في الثورة وكان لها دورها الذي لا ينكر في القضاء على الأمويين كما سنشير بعد قليل . وننتهي من ذلك كله إلى أن الفتنة تمخّضت عن وجود ثلاث قوى أساسية في الصراع هي قوة العلويين في مواجهة قوة الأمويين . وبينهما القاعدون أو المتحرّجون أو معتزلة الصراع الذين تطوروا إلى المرجئة فيما بعد . ولقد أدّت مهزلة التحكيم المعروفة إلى انقسام القوة الكبرى التي كانت تقف خلف علي إلى ما عرف بالشيعة والخوارج . وكان من شأن هذا الانقسام - بمستوييه العسكري والفكري - أن ينتهي إلى انتصار الأمويين ، واستيلائهم على السلطة وانفرادهم بها . وتنازل الحسن بن علي لمعاوية عن حقه في الخلافة ، وتنازل بالتالي عن حقوق كل القوى التي كانت تقف خلف أبيه وتسانده . وكان هذا الاستسلام من جانب الزعامة الأساسية يعني التسليم بسلطان الأمويين المطلق في كافة الولايات الاسلامية .