نصر حامد أبو زيد

136

الاتجاه العقلي في التفسير

بِالْإِيمانِ لأنه إذا أكره على القول بأنه تعالى ثالث ثلاثة ، فلو كان هذا الخبر يجب أن يتعلق باللّه تعالى لاستحال أن يصير خلافه بالقصد . وقد علم أن الموضوع للأمر قد يستعمل في التهديد كقوله « واستفزز » وقوله : « اعملوا ما شئتم » وما وضع للخبر قد يستعمل في غيره فقد صح أن التجوّز به يصح في كل حال ، وعلى كل وجه . فلو لا أن اللفظة بعينها تقع على الوجهين بالقصد لما صح ذلك فيها » 137 . ومعنى ذلك أن قصد المتكلم هو الذي يحدد ما إذا كانت الصيغة اللغوية قد استعملت على حقيقتها المتواضع عليها ، أو قد انتقلت إلى معنى مجازي . والصيغة اللغوية يمكن انتقالها من الحقيقة إلى المجاز ، كما يمكن الانتقال في الاسم المفرد ، فصيغة الأمر قد تستعمل للتهديد . والمعيار النهائي للتجاوز في الصيغ اللغوية هو قصد المتكلم وارادته . وقد سبقت لنا المعرفة العقلية بأن اللّه حكيم لا يختار القبيح ولا يأمر به . فإذا ورد في كلامه أمر يدل بصيغته على القبيح ، كان لنا أن نتأوّل هذا الأمر على أن المقصود به هو التهديد . وهذه المعرفة بقصد اللّه - وهي معرفة عقلية - هي التي تسمح لنا بتأويل ظاهر الصيغة ، وهي التي يطلق عليها المعتزلة القرينة العقلية أو الدليل العقلي . وثمّ قرينة أخرى تسمح لنا باخراج النص عن ظاهره ، وهي القرينة اللفظية المقارنة للكلام كالشرط والاستثناء ، أو وجود خطاب آخر يفسر هذا الخطاب . ولا يخلو كلام اللّه عز وجل عن هاتين الدلالتين أو القرينتين غير أن المعتزلة يعتبرون القرينة العقلية هي الأساس في عملية التأويل « فلذلك صحّ عندنا أن تدلّ على خصوص كلامه أدلة العقل ، كما يدل عليه تقييد اللفظ ، ودخول الشرط والاستثناء فيه ، وتكون دلالة كالعهد المتقدم والمعهود بين المخاطب ، وقد بيّنا أن ما حلّ هذا المحل هو أقوى من نفس المواضعة في الدلالة ، فإذا كانت المواضعة المتقدمة تدل على المراد بالكلمة فالعهد بأدلة العقول وما قدر ، جل وعز فيها بأن يدل على ذلك وأن يقدم ، أولى » 138 ولا يخلو كلام اللّه - القرآن - عن هذين النوعين من القرينة اطلاقا لأنه « لا بدّ أن يكون دليلا . وإنما يكون كذلك بوجهين : أحدهما : أن يريد ما يقتضيه ظاهره فيكون مجرده دلالة على المراد . أو يريد به غير ذلك فلا بدّ من بيان مقترن به كاقتران بعض الكلام ببعض ، لأنه إن كان مما يدل بالسمع فلا بد من أن يتصل به أصل الشرط والاستثناء ، أو ما يجري مجراهما ، وإن كان من أدلة العقول فاقترانه به أوكد من ذلك ، ولا يجوز في خطابه أن يخلو من هذين الوجهين » 139 وتقسيم خطاب اللّه هذه القسمة إلى ما يدل بدليل العقل ، وإلى ما يدل بدليل الخطاب المقترن به لفظا ، ليس الا التفرقة بين آيات الأحكام والتشريع ،