نصر حامد أبو زيد
133
الاتجاه العقلي في التفسير
التعارف السابق على المجاز على النص القرآني نفسه . فمن المؤكد أن القرآن قد جاء بعبارات مجازية لم ترد في الشعر العربي . بمعنى أن القرآن يتضمن من الصور المجازية الكثير مما لم يوجد في الشعر العربي ، خصوصا في تلك الآيات التي تعبر عن ذات اللّه أو صفاته . وهذه الصور المجازية تقف ضد مبدأ المعتزلة بعرفية المجاز وضرورة أن يكون سابقا في عرف الجماعة . وفي محاولة رد هذه الصور المجازية في القرآن إلى مبدأهم العام يفترض المعتزلة أن هذه الصور المجازية كانت مسبوقة بمجازات عربية مثلها لم ينقلها لنا الرواة . ويعتبرون أن القرآن نفسه دليل على وجود هذه المجازات في لغة العرب « فإن قيل : أليس قد خاطب تعالى في كتابه بأنواع من المجاز لا تعرف في اللغة في وصفه ووصف غيره . وذلك ان ذكر طال ؟ فإذا صحّ ذلك علم أنه لا يجب أن يفسّر المجاز حيث استعمل ؟ قيل له : إن ما لم يثبت في خطاب اللّه تعالى أنه شرعي منقول من المجاز ، فيجب أن نقطع على أنهم قد تكلموا بمثله ، كما أن ما تضمنه الكتاب من الحقائق يجب ذلك فيه ، كقوله تعالى في وصف الكتاب : وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ولا يجب في جميع ما تكلموا به من المجاز أن يكون منقولا إلينا ، ولا يجب إذا لم نعرفه أن لا يكون معروفا عند بعض العرب ، ولو انقطع نقله لكان الكتاب يدل عليه ولو أن واحدا منهم حكى ضربا من المجاز لعمل بقوله ، فإذا شهد القرآن به كان بأن يقطع بذلك أولى . فلا يجب أن يوجد في صريح كلامهم نفس ما وجد في القرآن ، لكنهم إذا تكلموا بمثله جاز أن يخاطب تعالى به ، فإذا استجازوا القول بأن فلانا جاءني وأنا مشغول ، ويراد به رسوله بأمره ، لم يمتنع أن يقول جلّ وعزّ : وَجاءَ رَبُّكَ ، لأن الباب في ذلك واحد كما ذكرناه في القرية . ولذلك متى علمنا من قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، مثل ذلك علمنا أن العرب تكلمت به أو بمثله فلا مطعن على ما ذكرناه بذلك » 131 . والذي يمكن الخروج به من هذا النص أن المعتزلة - في دفاعهم عن صحة تأويلاتهم - كان عليهم الاستشهاد بالشعر سائرين في ذلك على درب اللغويين والمفسرين منذ ابن عباس . ولكن مشكلة الاستشهاد بالشعر أن الخصم يمكن له أن يستشهد به كذلك . ومن ناحية أخرى فهناك آيات مثل وَجاءَ رَبُّكَ لا يستطيعون ايجاد ما يقابلها في التراكيب العربية والشعرية للدلالة على المعنى الذي يريدون إليه . وبدلا من أن يسلم المعتزلة بوجود مجازات في القرآن لم ترد في الاستعمال العربي ، يذهبون إلى افتراض وجود مثل هذه المجازات وإن كانت لم تصل إلينا ولم يحفظها لنا أحد . وهذه كلها افتراضات أدّت بهم إليها تلك الرغبة في تثبيت الدلالة المجازية ، وربط القرآن الكريم هذا الربط الميكانيكي باللغة العربية ووسائلها التعبيرية وطرائفها الأسلوبية ، حتى ليجعلوه يقل - من هذه الزاوية - عن شعر