نصر حامد أبو زيد

134

الاتجاه العقلي في التفسير

شاعر كامرئ القيس أو زهير فيما أضافاه للغة من تعبيرات وتراكيب وصور . وربما أمكن التماس العذر للمعتزلة في هذه الافتراضات التي راحوا يتمحلونها ، إذ الآيات التي تثير هذه المشكلة آيات لا يسلّم خصوم المعتزلة بتأويلهم لها ، بل ذهب أغلبهم - خصوصا الظاهرية - إلى أنها حقائق ، وإن كانوا نفوا كيفية المجيء . ونتيجة لذلك حاول المعتزلة - لتأكيد وجهة نظرهم - ربط هذه التعبيرات المجازية بمثيلات لها في اللغة ، وافترضوا وجود مثلها في اللغة وإن لم تصلهم عن العرب ولم ينقلها أحد . أمّا في الألفاظ الشرعية التي نقلها القرآن عن معناها اللغوي إلى معناها الشرعي ، كألفاظ الصلاة والزكاة والصوم ، فلا نزاع بين المعتزلة وخصومهم حول هذا التجاوز في الدلالة ، ومن ثم لا يحتاج المعتزلة للافتراض والتمحل ، ويسلمون بأن نقل مثل هذه الألفاظ يعدّ بمثابة ابتداء مواضعة من جهة اللّه ، ولم تستعمل في القرآن على سابق مثال « ولا تلزم على ذلك الألفاظ الشرعية ، لأنه جلّ وعزّ ، من حيث ثبتت حكمته يجب صرف كلامه إلى أنه أراد به الوجه الصحيح . فإذا بينه ونقل اللفظ عن اللغة صار كابتداء مواضعة منه » 132 وهكذا يقع المعتزلة فيما حاولوا الهروب منه ، ويسلمون بجواز أن يكون في القرآن ما لم تقع المواضعة عليه ، ويستندون في ذلك إلى فكرة الحكمة الإلهية ، وهي فكرة كانت كفيلة باخراجهم من المأزق السابق دون افتراضات أو تمحلات . * * * تحددت مهمة اللغة عند القاضي على مستوى التركيب بأنها « الانباء » عما في النفس ، واعتبر القاضي أن وظيفة « الاخبار » هي الوظيفة المركزية للغة ، لدرجة أنه ردّ كل الصيغ اللغوية من أمر ونهي واستفهام ونداء وقسم إلى معنى الخبر . ويرتبط الخبر في دلالته بقصد المتكلم وارادته « ولذلك يصح في الخبر المجاز والتعريض والالغاز » 133 . وقد استبعد المعتزلة من دائرة بحثهم المتكلم البشري على أساس أن كلامه يمكن معرفة دلالته بالاضطرار ، وذلك على عكس كلام اللّه عز وجل الذي لا يمكن معرفة دلالته كاملة إلّا استدلالا كما سبقت الإشارة . وإذا كان تقدم المواضعة يعدّ عند المعتزلة شرطا لوقوع كلام اللّه دلالة ، فإن معرفة قصده تعالى يعدّ شرطا ثانيا لا يقلّ في أهميته عن المواضعة السابقة . يقول القاضي مشترطا المواضعة « اعلم أنه لا بدّ من لغة يتواضع عليها المخاطب أولا ليصحّ أن يفهم عن اللّه سبحانه وتعالى ما يخاطبه به . . . والذي يدلّ على ذلك أن العلم بما يفيده الخطاب الوارد عن اللّه سبحانه هو علم بأنه أراد به ما يتعلق ذلك الخطاب به ، فمتى لم