نصر حامد أبو زيد

13

الاتجاه العقلي في التفسير

عثمان لأقاربه وتساهله معهم - غضب أتقياء الصحابة مثل عمار بن ياسر وأبي ذر الغفاري اللذين لم يخفيا غضبهما . ولم تتسم سياسة عثمان إزاء هذين الصحابيين بالحلم والكياسة ، بل قابل اعتراضهما على سياسته بالشدّة والنفي حتى صارا من أشدّ المعارضين لخلافته . وإذا كانت سياسة عثمان أثارت ضدّه بعض الصحابة ، فإنها - من جانب آخر - أثارت سخط مسلمي الأمصار الأخرى كالكوفة والبصرة ومصر . وقد كان من شأن سياسته الاقتصادية المتساهلة ، وتهاونه مع أقاربه ، أن تكوّنت طبقة من الأرستقراطية الدينية والقرشية في مقابل أهل الأمصار وفقراء المقاتلين الذين وقع عليهم الغبن على يد ولاة عثمان وحكامه « باستئثارهم بالفيء والغنائم لأنفسهم وخزائن دولتهم وحرمان المقاتلين منها ، مدّعين أن الفيء للّه وليس للمحارب إلّا أجر قليل يدفع إليه » 7 ولا نريد الخروج عن مهمة هذا البحث بتتبع الجذور الاقتصادية والسياسية للفتنة 8 بقدر ما تهمنا الإشارة إليها لتحديد طبيعة القوى التي أسهمت فيها ومن ثمّ أسهمت في الحوار الفكري حول قضاياها . والذي يكشف عن طبيعة هذه القوى « اختلاف الوفود التي أتت من الولايات الإسلامية لخلع عثمان ، على من توليه خلفا له ، حتى قال أهل البصرة نولي الزبير ، وقال أهل الكوفة نولي طلحة » 9 وتمسك أهل البصرة بالزبير ، وأهل الكوفة بطلحة ، وكلاهما من أثرياء الصحابة ينمّ عن طبيعة القوى التي تساندهما ، وهي قوى لها أسبابها للثورة ضد عثمان الذي رفع أسرته فوق قريش كلها بما فيها الصحابة . أما ثوار مصر الذين اشتركوا في الثورة ، فقد كان لهم منحى آخر ، إذ ذهبوا إلى المطالبة بتولية علي بن أبي طالب . ولقد قام عبد اللّه بن سبأ بدور خطير في الثورة ضد عثمان ، وفي تأليب الأمصار ضده . وعلاقة عبد اللّه بن سبأ بأبي ذر الغفاري في الشام ، واعتراضهما معا على سياسة معاوية يؤكّد الأساس الاقتصادي للفتنة ، والثورة . وقد وجد عبد اللّه بن سبأ لدعوته في مصر صدى لم يجده في كل من الكوفة والبصرة . وكان يخطب في المصريين قائلا « أن عثمان أخذ الخلافة بغير حق ، وهذا علي وصي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فانهضوا في هذا الأمر فحركوه ، وابدءوا بالطعن على أمرائكم ، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس وادعوهم إلى هذا الأمر » 10 . ومن الواضح أن عبد اللّه بن سبأ قد استغلّ بعض الأفكار الدينية اليهودية - كالقول بوصاية علي - للدعوة للثورة ضد عثمان . ولكن هذا لا يجعلنا نلجأ لتفسير حركة التاريخ بالهوى الفردي كما يذهب إلى