نصر حامد أبو زيد
124
الاتجاه العقلي في التفسير
الأشياء . ويكون المجاز حينئذ مواضعة طارئة على المواضعة الأصلية . وعلى ذلك يشترط القاضي عبد الجبار أن يكون للاسم اللغوي حقيقة سابقة قبل استعماله في المجاز « لأن كون اللفظة مجازا ولا حقيقة لها لا يصح في اللغة » 105 و « لأن التجوز هو أن يستعمل اللفظ في غير ما وضع له في الأصل » 106 وتدخل الاستعارة والمجاز أيضا في الكلام من الجانب الثاني للدلالة اللغوية ، أعني جانب المتكلم الذي يعبر ، ويستخدم اللغة للتعبير عن قصده وارادته . وما دام المتكلم عنصرا ثانيا من عناصر الدلالة اللغوية وما دام قصده شرطا لاعتبار اللغة دلالة ، فمن الطبيعي أن يدخل المجاز والاستعارة اللغة من هذا الجانب . فالمواضعة تظل حتى مع التجاوز فيها مواضعة اجتماعية لا بدّ فيها من تواطؤ الجماعة صاحبة اللغة بأكملها إلى جانب أن المجاز الذي يدخل المواضعة يرتبط بالأسماء المفردة ، ولا يتناول جانب التركيب الذي لا يتم إلّا من جانب المتكلم للتعبير عن قصده وارادته . وعلى ذلك فالمجاز والاستعارة في التركيب يختصان بإرادة المتكلم ورغبته في التعبير عمّا يريد وذلك « لأن الأمر لا يكون أمرا إلّا بالإرادة وكذلك الخبر » 107 . * * * ووقوع الاتساع والاشتراك والمجاز في اللغة من شأنه أن يثير اعتراضا في وجه المعتزلة على اعتبارهم اللغة دلالة ، بمعنى أن ذلك يخلّ بمبدإ الإشارة اللغوية . فإذا كانت المعجزة تقع موقع التصديق عند ادعاء النبوة ، وإذا كان الفعل بمجرده يدل على وجود الفاعل ، وبوقوعه محكما يدل على أن فاعله عالم ، فهذه - في النهاية - دلالات مباشرة لا يدخلها الاتساع والمجاز الذي قد يخلّ بمبدإ الدلالة . لكن اللغة مع ما يدخلها من الاتساع والمجاز قد تضلل بدلا من أن تدل . وهذا الاعتراض كان واردا على المعتزلة من كثيرين « منهم الظاهرية وابن القاص من الشافعية وابن خويزمنداذ من المالكية وشبهتهم أن المجاز أخو الكذب والقرآن منزّه عنه وأن المتكلم لا يعدل إليه إلّا إذا ضاقت به الحقيقة فيستعير وذلك محال على اللّه تعالى » 108 . ويتضمن رد المعتزلة على هذا الاعتراض التفرقة بين أمرين : الأمر الأول المتكلم نفسه ، أما الثاني فالكلام . ومن ناحية المتكلم يفرّق المعتزلة بين من ثبتت حكمته - وهو اللّه تعالى - وبين من لم يعرف حاله - وهو المتكلم العادي . أمّا كلام من ثبتت حكمته فهو يدل لا محالة لأنه لا يقع فيه الكذب أو محاولة التضليل . وكلام