نصر حامد أبو زيد
125
الاتجاه العقلي في التفسير
من لم يعرف حاله يكون طريقا للنظر والتثبت والتيقن ، وعلى هذا فكلام كليهما يقع دلالة . أمّا الأمر الثاني وهو الكلام نفسه ، فيفرّق القاضي عبد الجبار بين الكلام إذا وقع مجردا عن قرينة ، أو إذا قارنته قرينة تصرفه عن ظاهر المراد به . في الحالة الأولى يدل الكلام بظاهر المواضعة ، بينما يدل في الحالة الثانية بالقرينة على اعتبار أنها جزء من الدلالة . وهذه التفرقة بين المتكلم الذي ثبتت حكمته وغيره ، وبين اللغة مجردة عن القرينة أو بها ، تظل تفرقة تدور في اطار الغرض الديني للمعتزلة الذي يهدف إلى معرفة كلام اللّه - القرآن - وما يدل عليه « فأمّا من يقول : إن المعجز ، إذا كان إنما يدل كدلالة التصديق ، وكان الكلام لا يدل على شيء لصحة وقوعه مجملا ومشتركا ، ولدخول الاتساع والمجاز ( فيه ) ، فما يحل محله ، بألّا يدل أولى « فقوله في ظاهر السقوط ، لأنه جعل ما نصب منصب الأدلة خارجا عن أن يكون دلالة ، لأن الكلام نصب هذه النصبة ، ليدل بالمواضعة ، على ما لا يدل عليه الفعل ، وعلى ما لا يعلم بالمشاهدة . لكن المتكلم قد يكون حكيما ، فيجب في كلامه أن يكون دالّا ، وقد لا نعلم حكمته ، فكلامه يكون طريقا للنظر ، لا لأنه ليس بدلالة ، لأنا لو علمنا من حاله أنه حكيم ، لكان دلالة ، وإنما لا نعدّه دلالة ، إذا وقع من جهة ( من ) لم تثبت حكمته ، لأمر يرجع إلى أنه لم يقع منه على الوجه الذي يدل ، من حيث لا نعلم أن مقاصده صحيحة ، وذلك أمر لا يقدح في دلالته . يبين ذلك أن الفعل المحكم يدل على كون فاعله عالما ، إذا وقع مرتبا على طريقة مخصوصة ، ومتى وقع على طريقة الاحتذاء ، أو على غير جهة الترتيب ، لم يدل . ولا يخرج ذلك الفعل المحكم من أن يكون دلالة . فكذلك القول في الكلام . فإن كان ما ظنه السائل من الاشتراك ودخول المجاز يمنع من كون الكلام دلالة ، فلما قلناه في الفعل المحكم وصحة وقوعه ممن ليس بعالم ، على بعض الوجوه ، يجب أن يمنع من كونه دلالة . . . فكذلك القول فيما ذكرناه من دلالة الكلام ، لأنّا نقول إنه يدل ، إذا تجرد وجرى من قرينة ، على خلاف الوجه الذي يدل عليه إذا ضامه قرينة ، ولم يتجرد . ونقول : إنه يدل ، إذا وقع من الحكيم الذي مقاصده صحيحة ، على خلاف الوجه الذي يدل ممن لم تثبت حكمته . فقد صار افتراق هذين الوجهين اللذين على أحدهما يدل ، وعلى الآخر لا يدل ، أو يدل على أحد الوجهين بخلاف دلالته على الوجه الآخر ، بمنزلة افتراق الجنسين . . . لأن الكلام إنما يدل ، متى تجرد ، على ما وضع له ، لأنه يخالف حاله إذا قارنه غيره فقد صار باختلاف هاتين الحالتين ، تختلف دلالته » 109 .