نصر حامد أبو زيد
123
الاتجاه العقلي في التفسير
المواضعة الاشارية البحتة التي تنفي وجود أي علاقة بين الاسم والمسمى ، أو الدال والمدلول . وإذا كان هناك اسم ومسمى ، فإن المتكلم هو الذي يشير بالاسم لمسماه في حالة غياب هذا المسمى وذلك بهدف الاخبار عنه ، وعلى ذلك يقوم المتكلم بايجاد علاقات بين الإشارات اللغوية . فالعبارة ( السماء جميلة ) مثلا تشير إلى شيئين : إلى السماء وإلى معنى الجمال ، والمتكلم هو الذي أسند الجمال إلى السماء ليخبر ، بمعنى أن المتكلم حين يخبر - وو وظيفة الاخبار هي الوظيفة المركزية للغة عند القاضي - فإنه يشير بالاسم إلى الشيء ثم يسند إليه الخبر . وعلى ذلك فدور المتكلم في الدلالة اللغوية يعادل دور المواضعة ولا غناء لأحدهما عن الآخر . وحين قارن القاضي عبد الجبار بين دلالة المعجزة ودلالة الكلام ، اعتبر أن المعجزة أشد دلالة « لأن من حق التصديق بالقول أن يصح فيه . . . المجاز والاستعارة لأمر يرجع إلى ذات الكلام » 103 وعلى ذلك يرفع من شأن التصديق بالمعجزة على حساب التصديق بالكلام الذي يمكن أن يقع فيه المجاز والاستعارة وهما أمران ثابتان في الكلام لا زمان له . أي أن الكلام وإن وقع دلالة - بالشرطين السابقين - فإنه يتأخر عن أنواع الدلالات الأخرى بقابليته للاشتراك والاحتمال . ولذلك لا بدّ من وضع ضوابط لهذا الاشتراك والاحتمال والمجاز والاستعارة . لا بدّ من وضع ضوابط لهذه الأمور وإلّا خرج الكلام عن أن يكون دلالة . ومن الضروري - والحالة هذه - أن يحدد القاضي عبد الجبار الوجه الذي يقع منه المجاز في الكلام . ومن البديهي أن لا يكون المجاز واقعا في أصل المواضعة . فإذا كان المعتزلة قد انتهوا - كما بيّنا سالفا - إلى أن العالم الخارجي ثابت وقائم بصرف النظر عن ادراكنا ومعرفتنا به ، وإذا كانوا قد ذهبوا إلى أن الادراك لا يؤثر في المدرك ولا في صفة من صفاته سلبا أو ايجابا ، وإذا كانت الأسماء اللغوية مجرد إشارات للأشياء ، فمن الطبيعي أن تكون المواضعة اللغوية لها ثبات الأشياء ، بمعنى أن يصبح الاسم كالسمة والعلامة للشيء . واللغة - من هذه الجهة ( المواضعة ) - لا يجوز أن تدخلها الاستعارة أو المجاز . غير أن من حق الجماعة اللغوية أن تنتقل بالمواضعة في الاسم عن معناه الحقيقي إلى معنى آخر مجازي بشرط وجود علاقة بين المعنى المنقول منه الاسم والمعنى المنقول إليه « وبذلك جوّزنا نقل الألفاظ إلى الأحكام الشرعية ، وجوزنا انتقال حكم اللفظة بالتعارف عن المجاز إلى الحقيقة وعن الحقيقة إلى المجاز ، وكل ذلك لا يوجب قلب المعاني » 104 ومعنى ذلك أن المواضعة يجوز أن يحدث فيها التجاوز مع مراعاة قصد الجماعة ، أي مراعاة المعنى الذي تقصد إليه الجماعة حيث تطلق اسما على شيء من الأشياء أو صفة من الصفات . وهذا التجاوز لا يعني عند القاضي قلب المعاني أو التداخل بين حدود