نصر حامد أبو زيد
122
الاتجاه العقلي في التفسير
مثال ذلك قول اللّه تعالى وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ( الفجر / 22 ) وهي آية يضعها الرماني في النوع الثالث من أنواع المبالغة « فجعل مجيء دلائل الآيات مجيئا له على المبالغة في الكلام . ومنه : فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ أي أتاهم بعظم بأسه فجعل ذلك اتيانا له على المبالغة . ومنه قوله تعالى فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا 101 ومن الصعب على الرماني تحليل هذه الآيات على الاستعارة ، لأن ذلك سيؤدي إلى وجود مشابهة - في حس أو عقل - بين اللّه والبشر الذين يجوز عليهم الحركة والمجيء والاتيان . ويكون تأويل هذه الآيات على ذلك أن الفعل أسند للّه - مبالغة - وإن كان في الحقيقة لغيره . غير أن استعمال الرماني لكلمة « المبالغة » في تحليل آية في باب « الاستعارة » يجعلنا نفترض أنهما يعبران - مع التساهل - عن مدلول واحد ، خصوصا إذا اعتبرنا المبالغة - البيان عن طريق الكشف والاظهار - هي الوظيفة الأساسية للتشبيه والاستعارة معا . ومما يدخل في النوع الثاني من المبالغة ، وهو استخدام صيغة العموم للخصوص ، قول اللّه تعالى خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ( الانعام / 102 ) والذي يجعل الرماني يضع الآية هذا الموضع هو ما يذهب إليه المعتزلة من أن الانسان هو خالق أفعاله عن حرية واختيار ، وبالتالي تكون لفظة « كل » في الآية لا يقصد عمومها ، لأن أفعال الناس مستثناة - بالدليل العقلي - من هذا العموم . غاية الأمر أن الآية وردت مورد المبالغة « كقول القائل : أتاني الناس ، ولعله لا يكون أتاه إلّا خمسة فاستكثرهم ، وبالغ في العبارة » 102 . وخلاصة الأمر أن الرماني استطاع أن يفيد من جهود سابقيه ، وأن يفرّق تفرقة واضحة بين التشبيه والاستعارة . كما استطاع أن يكشف عن علاقة الاستعارة بالمجاز ، وفي نفس الوقت استطاع أن يفرّق بين الاستعارة والمجاز المرسل . ولم تكن كل هذه الجهود البلاغية بعيدة عن غايته التأويلية كمعتزلي ، بل كانت مرتبطة بها وفي خدمتها كما رأينا . 4 - مفهوم المجاز عند القاضي عبد الجبار وضع القاضي عبد الجبار اللغة بين أنواع الدلالة العقلية ، كما اعتبرها الجاحظ إحدى الوسائل البيانية كما سبقت الإشارة . وقد ميّز القاضي اللغة من أنواع الدلالة الأخرى بأنها تدل على شرطين : المواضعة السابقة ، ومراعاة حال المتكلم وقصده حتى يمكن فهم المراد بكلامه . وقد تحدد مفهوم المواضعة عنده بأنها