نصر حامد أبو زيد

12

الاتجاه العقلي في التفسير

أن مبدأ « العدل » يتضمن كل مبادئ المعتزلة - عدا التوحيد - ومنها القول بالمنزلة بين المنزلتين ، وهو القول الذي تجمع المصادر على أن واصل بن عطاء خالف به أستاذه الحسن البصري ، وانفصل بسببه عن حلقته مكوّنا حلقة جديدة كانت اللبنة الأولى في بناء المذهب الاعتزالي . والواقع أن هذا الخلاف بين واصل وأستاذه الحسن حول وصف مرتكب الكبيرة ، والحكم عليه ، يظلّ مجرد خلاف فقهي ما لم ننظر إليه في ظل الظروف التاريخية التي طرحت هذا السؤال على علماء العالم الاسلامي ، والتي حددت في نفس الوقت طبيعة الإجابات التي طرحت عليه من كافة الاتجاهات السياسية والدينية في ذلك الوقت . ( 1 ) تعدّ الفتنة التي انتهت بمقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان مفتاح كل الخلافات السياسية والعقائدية في المجتمع الاسلامي . ويحدّد الأشعري ( ت 330 ه ) هذه البداية بقوله « وكان الاختلاف بعد الرسول صلى اللّه عليه وسلم في الإمامة . ولم يحدث خلاف غيره في حياة أبي بكر رضوان اللّه عليه وأيام عمر إلى أن وليّ عثمان ابن عفان - رضوان اللّه عليه - وأنكر قوم عليه في آخر أيامه أفعالا . . . فصار ما أنكروه عليه اختلافا إلى اليوم ، ثم قتل رضوان اللّه عليه ، وكانوا في قتله مختلفين ، فأمّا أهل السنّة والاستقامة فإنهم قالوا : كان رضوان اللّه عليه مصيبا في أفعاله ، قتله قاتلوه ظلما وعدوانا ، وقال قائلون بخلاف ذلك ، وهذا اختلاف بين الناس إلى اليوم » 5 وإذن فقد كانت نقطة البداية هي الخلاف حول الإمامة وشروطها ومدى السلطة المخوّلة للخليفة . وقد أثار قتل عثمان على أيدي الثوار من الأمصار - وعلى رأسهم ثوار مصر - قضية شرعية الخروج على الإمام والثورة على الخليفة . ولقد حدّدت ظروف الفتنة منذ بدايتها طبيعة القوى التي اشتركت في الثورة ، ومن ثمّ ساهمت في الجدل الفكري والعقائدي حول الإمامة والخلافة . ولقد بدأت هذه القوى تتشكّل ملامحها حين أباح عثمان لأعلام قريش « أن يتملّكوا الضياع ويشيدوا القصور في الولايات الاسلامية المفتوحة كالعراق والشام ومصر ، كما سمح لهم أن يستبدلوا بأملاكهم في الحجاز أملاكا في تلك الأمصار » 6 وكانت هذه السياسة مخالفة تمام المخالفة لسياسة الخليفة عمر بن الخطاب الذي حظّر على الصحابة مغادرة المدينة أو الإقامة في الأمصار خوفا عليهم أن تفتنهم الدنيا وتشغلهم عن أمور الدين . وكان من الطبيعي أن تثير هذه السياسة المتساهلة - إلى جانب مجاملة