نصر حامد أبو زيد
117
الاتجاه العقلي في التفسير
فقال : « وقد وسموا أنفسهم بسمات الباطل وتسموا بأسماء العلم على المجاز من غير الحقيقة » 75 أمّا في كتاب الحيوان فأغلب استعمال اللفظ ، وإن فهم منه أنه مقابل الحقيقة ، فإنه لم يرد بهذا المعنى بشكل مباشر . فحين يحاول الجاحظ تأويل تهديد سيدنا سليمان للهدهد بالذبح ، ردا على من طعنوا في الآية على أساس أن تهديد الهدهد تهديد في غير محله ، لأن الهدهد ليس مكلفا أو عاقلا من جانب ، والذبح أكبر من جرم الهدهد إن صحّ أنه مكلف أو عاقل ثانيا . يردّ الجاحظ على هذا الطعن بردود كثيرة ، منها « على أنّا لو تأولنا الذبح على مثال تأويل قولنا في ذبح إبراهيم إسماعيل عليهما السلام - وإنما كان ذلك ذبحا في المعنى لغيره - أو على معنى قول القائل : أمّا أنا فقد ذبحته وضربت عنقه ولكن السيف خانني . أو على قولهم ، المسك الذبيح ، أو على قولهم ، فجئت وقد ذبحني العطش ، لكان ذلك مجازا » 76 . وفي موضع آخر من الحيوان يضع الجاحظ كلمة « مثل » في مقابل كلمة « حقيقة » وهو بذلك يساوي بين « المثل » و « المجاز » في وضعهما في مقابل الحقيقة . يقول : « ويذكرون نارا أخرى . وهي على طريق المثل لا على طريق الحقيقة ، كقولهم في نار الحرب » 77 . وهذا كله يؤكد تداخل الحدود بين التشبيه والمثل والمجاز من ناحية 78 ويؤكد أن مصطلح « المجاز » صار أكثر تحديدا ، باعتباره الوجه الآخر للحقيقة من جهة أخرى 79 وبذلك صار هو المصطلح الأثير لدى المعتزلة الذي يؤولون على أساسه كل الآيات التي يوهم ظاهرها - أو حقيقتها - بالتعارض مع آرائهم وأفكارهم العقلية . 3 - الرماني والكشف عن الأثر النفسي . لم ينفصل « المجاز » عن « التأويل » عند ابن قتيبة ( ت 276 ه ) ومن ثم اتسع كما هو الحال عند السابقين عليه ليضم كل الوسائل الأسلوبية من « الاستعارة والتمثيل والقلب والتقديم والتأخير والحذف والتكرار والاخفاء والاظهار والتعريض والافصاح والكناية والايضاح ومخاطبة الواحد مخاطبة الجميع ، والجميع خطاب الواحد ، والواحد والجميع خطاب الاثنين ، والعقد بلفظ الخصوص لمعنى العموم ، وبلفظ العموم لمعنى الخصوص مع أشياء أخرى كثيرة » 80 . وإذا كان الجاحظ ومن قبله الفراء قد ركزا على جانب المشابهة باعتبارها أساس الانتقال في الدلالة ، فإن ابن قتيبة لم يتوقف كثيرا ليشرح كيفية الانتقال من الحقيقة إلى المجاز ، وذلك بحكم