نصر حامد أبو زيد
118
الاتجاه العقلي في التفسير
غلبة الجانب التأويلي على كتابه ، تلك الغاية التي ينمّ عليها عنوان الكتاب نفسه « تأويل مشكل القرآن » . ولذلك أجّلنا الدراسة التفصيلية لهذا الكتاب للفصل التالي . وإذا كان ابن قتيبة سلك مسلك سابقيه في رد العبارة القرآنية إلى الشعر العربي أسلوبا وتركيبا ، فثم جهود أخرى حول القرآن كانت أقرب إلى ادراك تميز الأسلوب القرآني وتباينه عن أسلوب الشعر العربي . وقد كان لأصحاب هذه الجهود بالتالي أثر كبير في تحديد مجالات المجازات القرآنية ، والكشف عن أثرها النفسي ووظيفتها البيانية . تلك هي الجهود حول « اعجاز القرآن » وفكرة « الاعجاز » نفسها تسلم - بداهة - بمبدإ التباين بين كلام اللّه وكلام البشر من حيث الأسلوب والصياغة ، ومن ثم تسعى للكشف عن هذا التباين وأثره وملامحه . ويعدّ كتاب الرماني ( ت 386 ه ) « النكت في اعجاز القرآن » أهم هذه الجهود لمجال بحثنا ، وذلك بحكم أن صاحبه معتزلي من جهة ، وبحكم أن البحث البلاغي لم ينفصل عنده عن التأويل من جهة أخرى . غير أن التأويل عند الرماني ليس هو الهدف ، بل يأتي عرضا في سياق التحليل البلاغي . يعرّف الرماني البلاغة « بأنها ايصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ » 81 ولا يكتفي بوظيفة « الافهام » التي ركّز عليها سابقوه « لأنه قد يفهم المعنى متكلمان أحدهما بليغ والآخر عيي » 82 وإذا كان قد قسم البلاغة إلى ثلاث طبقات ، فإنه اعتبر أن « أعلاها طبقة في الحسن بلاغة القرآن » 83 وكان من الطبيعي - والأمر كذلك - أن تخلو رسالته من الاستشهاد بالشعر خلوا يكاد يكون تاما إلّا في موضعين اثنين 84 . وقد قسم الرماني البلاغة إلى عشرة أقسام يهمنا منها هنا « الايجاز » و « التشبيه » و « الاستعارة » و « المبالغة » . ويقسم الرماني الايجاز إلى وجهين « حذف ، وقصر ، فالحذف اسقاط كلمة للاجتزاء عنها ، بدلالة غيرها من الحال أو فحوى الكلام . والقصر بنية الكلام على تقليل اللفظ وتكثير المعنى من غير حذف » 85 . ويضرب للنوع الأول - الحذف - المثال الشائع « واسأل القرية » ، وحذف جواب الشرط . وإذا كان المحذوف مدلولا عليه بغيره فإن الرماني لا يعنى بتحديد المحذوف وتعيينه . بقدر ما يعنى بابراز الأثر النفسي للحذف ، خصوصا في جواب الشرط « وإنما صار الحذف في مثل هذا أبلغ من الذكر لأن النفس تذهب فيه كل مذهب ، ولو ذكر الجواب لقصر على الوجه الذي تضمنه البيان » 86 .