نصر حامد أبو زيد

116

الاتجاه العقلي في التفسير

عليه العامة ودهماء أهل التشبيه من هذه الأمور ويشتمل عليه الفضل من حشوة الناس ، ويختدع به المحدثون من الجمهور الأعظم ، تحريف آي كثيرة إلى غير تأويلها ، وروايات كثيرة إلى غير معانيها . وقد بيّنت ذلك بالوجوه المختصرة وبالأشعار الصحيحة ، والأمثال السائرة ، واستشهدت بالكلام المعروف ، وبالقياس على الموجود » 72 ولا ينبغي أن ننسى أن الجاحظ نفسه لم ينج من أثر الغايتين الدفاعية والتعليمية اللتين شغل بهما كل من أبي عبيدة والفراء ، إلى جانب أن وظيفة اللغة البيانية عنده كانت تبرر هذا السلوك . ومن جهة ثالثة كان استشهاد المشبهة والظاهرية بمواضعات اللغة والشعر العربي كفيلا بأن يحدد لا مسلك الجاحظ وحده ، بل مسلك المعتزلة جميعا في تناول المجاز في القرآن . يؤكد ذلك عند الجاحظ وقفاته الطويلة في كتبه كلها - خاصة كتاب الحيوان - للرد على المؤولين والطاعنين في القرآن 73 وهي كلها وقفات يستدل فيها الجاحظ على صحة العبارات القرآنية والتجوز فيها بالشعر العربي وأقوال العرب . ومن المؤسف أننا لا نجد في أي من هذه الآيات التي توقف عندها الجاحظ آية واحدة من تلك الآيات الخلافية بين المعتزلة وخصومهم ، فكلها آيات ترتبط باستطرادات الجاحظ في الكتاب ، مثل قصة الهدهد ، وحديث النمل ، وعلاقة الأنس بالجن ، ورؤوس الشياطين التي أشرنا إليها . . الخ كل هذه الموضوعات والآيات القرآنية التي تمسّ موضوع الحيوان من قريب أو بعيد . ولسنا بصدد درس نهج الجاحظ في تفسير القرآن عامة حتى نتوقف أمام هذه الآيات محللين أو كاشفين عن طريقة الجاحظ في تفسير القرآن . وإذا كان الجاحظ قد استخدم كلمات الاشتقاق والتشبيه والمثل والمجاز بمعنى واحد ، فإننا لأول مرة نواجه مصطلح « المجاز » باعتباره قسيما للحقيقة ، وإن لم نعدم في كتابات الجاحظ بعض الاستخدامات اللغوية له . بمعنى أننا إذا كنا عند أبي عبيدة وجدنا المصطلح واسع الدلالة يتناول أساليب العربية أو طرق التعبير عامة ، وإذا كنا عند الفراء وجدنا استعمالا لكلمة « تجوز » بدل المجاز ومعنى أقرب للمعنى الاصطلاحي ، فإننا عند الجاحظ نجد المصطلح قد تحدد تحددا كاملا ليشير إلى كل الأنواع البلاغية كالمثل والتشبيه والاستعارة والكناية . والمواضع التي تحدث فيها الجاحظ عن المجاز كمقابل للحقيقة بشكل مباشر قليلة جدا ، وإن كان سياق استخداماته الكثيرة للفظ يدل على فهمه الاصطلاحي لها . من هذه المواضع القليلة قوله في البخلاء « فلاسم الجود موضعان : أحدهما حقيقة ، والآخر مجاز فالحقيقة ما كان من اللّه ، والمجاز المشتق له من هذا الاسم » 74 . وأشار إليه بنفس المعنى في كتاب فصل ما بين العداوة والحسد حين تحدث عن العلماء المشهورين بالحسد