نصر حامد أبو زيد

115

الاتجاه العقلي في التفسير

وحتى اجتمعت العرب على تصويبه ، وعلى اتباع أثره ، وعلى أنها لغة عربية فاللّه الذي له أصل اللغة أحق بذلك » 69 فالمعارف كلها ، بل العالم كله بما فيه من كائنات وموجودات وطبائع من خلق اللّه ، وهو الذي خلق الانسان ومكّنه ، وزوده بكل ما يساعده على تحقيق وجوده الأكمل ، وزوده باللغة ليبين بها عن نفسه « فإذا كانت العرب يشتقون كلاما من كلامهم وأسماء من أسمائهم ، واللغة عارية في أيديهم ممن خلقهم ومكنهم وألهمهم وعلمهم ، وكان ذلك منهم صوابا عند جميع الناس ، فالذي أعارهم هذه النعمة أحق بالاشتقاق » 70 وقد كانت التفرقة بين معارف البشر ومعارف اللّه ، ثم هذا التسليم بحق اللّه في الاشتقاق والابتداء بوضع الأسماء ، كانت هذه التفرقة كفيلة بأن توجه مبحث المجاز في القرآن وجهة مختلفة عن تلك الوجهة السائدة منذ أبي عبيدة والفراء والتي تبحث عن سند لمجازات القرآن وعباراته في الشعر الجاهلي . غير أن غاية التعليم والتوضيح - ولم تكن بعيدة عن جهود الجاحظ بأي حال - حاولت رد كل تعبير مجازي في القرآن إلى الشعر العربي أو كلام فصحاء العرب . والجاحظ نفسه تابع أسلافه ، واعتبر لغة العرب هي الأساس في فهم القرآن . ولا ينكر الباحث أن يكون الشعر العربي دليلا في فهم النص القرآني ، ما دام كلام اللّه قد اتخذ اللغة العربية أداة للتوصيل . ولكن الآيات الخلافية التي كانت مثار جدل بين المعتزلة وخصومهم ، سواء المجبرة أو المشبهة ، لا يمكن النظر إليها من خلال الشعر وحده ومواضعات اللغة منفردة . فالاسلام قد جاء برؤية جديدة لطبيعة الذات الإلهية . وهي رؤية تتناقض مع واقع المعتقدات العربية الجاهلية . وعلى ذلك تعبر هذه الآيات - التي تصف اللّه - عن وعي ديني جديد تماما على الشعور العربي ، وعلى المدركات والمعارف التي تعبر عنها اللغة والشعر . وهذا الوعي كان يستخدم اللغة العربية للتعبير عن نفسه ، ومن ثم كان من الضروري أن يحدث تغيير في النسق المتعارف عليه للغة من أجل أن تتسع لحمل هذا الوعي الجديد . وعلى ذلك فارجاع هذه الآيات للشعر العربي ومجازه هو ردّ لهذا الوعي والمعرفة إلى معرفة ووعي متخلفين عن هذا الوعي الجديد . ولعل الجاحظ أحس بهذه المشكلة احساسا غامضا ، حتى اشترط لمن يتعرّض لقضايا الدين أن يكون متكلما إلى جانب علمه باللغة العربية ، وذلك حتى يستطيع الوصول إلى تلك المعرفة التي يعبر عنها القرآن « ولو كان أعلم الناس باللغة ، لم ينفعك حتى يكون عالما بالكلام » 71 ومع ذلك كله فقد سار الجاحظ - في كتاب لم يصلنا في الرد على المشبهة - على درب أسلافه اللغويين . يقول : « وقد كتبت . . . في الرد على المشبهة كتابا لا يرتفع عنه الحاذق المستغني ، ولا يرتفع عن الريض المبتدئ ، وأكثر ما يعتمد