نصر حامد أبو زيد

111

الاتجاه العقلي في التفسير

2 - الجاحظ ونضج المصطلح تحددت وظيفة اللغة عند الجاحظ بأنها هي « الإبانة » التي اعتبرها ضرورة من ضرورات الاجتماع البشري لتبادل المعرفة ونقل الخبرة . وما دام الأمر كذلك فمن حق أهل اللغة أن يستخدموها ويتعاملوا بها بالطريقة التي يرونها محققة لهذه الوظيفة ومؤدية لهذه الغاية . وثمّة مجالات يرى كل من النظّام والجاحظ ضرورة أن تراعى فيها الدقة في استخدام اللغة دون توسع أو تجاوز في دلالاتها . فقد ذهب النظّام إلى « أن طلاق الكناية مثل قول الانسان : الخلية والبرية والبتة ، أو حبلك على غاربك . لا يقع ، وإن قارنته نية الطلاق » 58 . وليس أشدّ من الطلاق التصاقا بحياة الناس ومصالحهم ولذلك يمنع النظّام من وقوع طلاق الكناية والمجاز ، حتى مع توفر النية ، بل لا بدّ من استخدام التعبير المباشر . والجاحظ وإن كان لا يرى رأي أستاذه في طلاق الكناية 59 - وهو خلاف فقهي على أي حال - يتفق معه في المبدأ العام ، وهو استبعاد مجال المعاملات من الحرية في استخدام الكلمات ، على أساس أن المعاملات حاجات نفعية مباشرة لا تحتمل اللبس أو التأويل والخلاف . فإذا استبعدنا هذا المجال النفعي الخالص جاز للناس « أن يضعوا كلامهم حيث أحبوا إذا كان لهم مجاز ، إلّا في المعاملات » 60 . وهذا كله يؤكد حرص الجاحظ على وظيفة اللغة العملية في حياة الناس . ولكن هذه الحرية في نقل الألفاظ والعبارات ليست حرية مطلقة كما توهم العبارة السابقة ، فلها شرطان لا بدّ من مراعاتهما : الشرط الأول أن يكون بين المعنى المنقول إليه اللفظ والمعنى المنقول عنه علاقة ما . أمّا الشرط الثاني فهو أن الحرية في النقل من حق الجماعة لا من حق الفرد ، وعلى الفرد أن يتبع في عباراته وأساليبه طرق الدلالة التي سارت عليها الجماعة قبله ، دون أن يخرج على هذه الأطر الدلالية أو التعبيرية ، أو دون حتى أن يسمح لنفسه القياس عليها . والغاية وراء هذين الشرطين هي الوضوح الذي لا بدّ منه لأداء اللغة لوظيفتها الاجتماعية ، وظيفة الإبانة . فلو لم توجد علاقة بين المعنى المنقول عنه اللفظ والمعنى المنقول إليه لاختلّت دلالة الألفاظ على المعاني . ولو ترك الأمر لكل متكلم وحريته يستخدم الألفاظ حيث شاء ، ويجريها حيث أراد ، لصار كل فرد جزيرة لغوية منعزلة لا تستطيع التواصل والإبانة لغيرها عن نفسها . وتفقد الإبانة - والحالة هذه - أهميتها وضرورتها ، بل لا تصبح إبانة على الاطلاق . وكلا الأمرين سيؤدي في النهاية إلى القضاء على الوظيفة الاجتماعية للغة . وهي الإبانة ، ومن ثم ينفضّ عقد