نصر حامد أبو زيد
112
الاتجاه العقلي في التفسير
الاجتماع البشري ، ويعود الانسان إلى عالم البهيمة والسبع ، بل يعود إلى عالم الجماد أو النبات ، فالحيوانات لها منطقها الخاص الذي يعبر عن احتياجاتها ويكفي « لتفاهمهم حاجة بعضهم إلى بعض » 61 . والشرط الأول للحرية في نقل الألفاظ لا يذكره الجاحظ بشكل مباشر وتفصيلي ، وإنما يشير إليه أثناء تحليله لبعض العبارات والتراكيب . وجدير بالذكر أن المصطلحات ما تزال متداخلة عند الجاحظ . فهو مرة يستخدم مصطلح المجاز ، وأخرى يستخدم المثل ، وثالثة الاشتقاق . وقد يجمع بينهم جميعا في تحليل عبارة واحدة ، وذلك للدلالة على استخدام اللفظ في غير ما وضع له في اللغة . فكلمات المجاز والمثل والتشبيه والكناية والاشتقاق تدل على معنى واحد . يقول « وللعرب اقدام على الكلام ثقة بفهم أصحابهم عنهم . وهذه أيضا فضيلة أخرى وكما جوزوا لقولهم أكل وانما عض ، وأكل وانما أفنى ، وأكل وانما أحاله ، وأكل وانما أبطل عينه . جوزوا أيضا أن يقولوا : ذقت ما ليس بطعم ثم قالوا طعمت لغير الطعام . . . وقد يقولون ذلك أيضا على المثل وعلى الاشتقاق وعلى التشبيه » 62 . وشرط الوضوح أساس في الانتقال باللفظ من معنى إلى معنى ، وهو شرط ينفي عن الكلام مظنة الكذب « وقد يكون اخلاص ظاهر لفظة على شيء ومعناه غيره ، فلا يكون كذبا ، لمعرفة القائل بفهم المستمع عنه ، وهذا باب كثيرا ما يستعمله العرب » 63 . ويعدّ الجاحظ الكناية نوعا من أنواع الاشتقاق في المعاني أيضا ، وبذلك يدخلها في المجاز « ويقال لموضع الغائط : الخلاء ، والمذهب ، والمخرج ، والكنيف ، والحش ، والمرحاض ، والمرفق ، وكل ذلك كناية واشتقاق » 64 . وتلحّ فكرة الوضوح على الجاحظ الحاحا شديدا لما لها من خطرها على وظيفة البيان التي هي إحدى شروط الاجتماع « ومن الكلام كلام يذهب السامع منه إلى معاني أهله وقصد صاحبه » 65 . وهي فكرة تجعل الجاحظ يعود للآية التي كانت - فيما يبدو - مطعنا في عدم وضوح بعض الآيات القرآنية ، وهي الآية التي سئل عنها أبو عبيدة معمر بن المثنى ، وكانت سببا في تأليفه كتابه . يعود الجاحظ إلى هذه الآية فيرفض تفسير المفسرين الذين قالوا إن رؤوس الشياطين نبات في اليمن ، وذلك ليردوا التشبيه في الآية إلى مدرك حسي واضح للعيان . يقول الجاحظ « وقد قال الناس في قوله تعالى : إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ فزعم أناس أن رؤوس الشياطين ثمر شجرة . تكون ببلاد اليمن ، لها منظر كريه . والمتكلمون لا يعرفون هذا التفسير ، وقالوا : ما عنى إلّا رؤوس