نصر حامد أبو زيد
11
الاتجاه العقلي في التفسير
لا تطمح هذه الصفحات لرصد العوامل التاريخية لنشأة الفكر الاعتزالي ، بقدر ما تحاول تفهم هذه الظروف بغية فهم الفكر الاعتزالي نفسه في إطار ظروفه البيئية والتاريخية ، وذلك ايمانا بأن الفكر لا ينشأ من فراغ ، أو مستقلا عن الظروف الموضوعية - الاجتماعية والسياسية - التي يكون هذا الفكر نفسه استجابة لها ومحاولة للتصدي لها تغييرا أو تأييدا . ومن جهة أخرى فتفسير الفكر الاعتزالي بعوامل التأثير الثقافي الأجنبي - وهو ما درج عليه كثير من المستشرقين وبعض الدارسين العرب 1 - هو نفي لفعالية هذه الظروف الموضوعية ، أو إعطاء دور سلبي لها في أحسن الفروض . وإنكار هذا التأثير الأجنبي - وهو ما حاوله بعض الباحثين المتحمسين من العرب 2 - رد فعل يناقض الحقيقة التاريخية والعلمية . ولكن الأساس في التأثير الفكري بين ثقافتين أو حضارتين ، أن الأفكار الواردة على الثقافة والحضارة من الصعب أن تمارس تأثيرها الفعّال والمثمر في هذه الحضارة ما لم تكن الظروف الموضوعية - الاجتماعية والسياسية - مهيأة لتلقي هذه البذور واحتضانها ، وتهيئة المناخ الملائم لها لكي تنمو وتزدهر وتؤتي أكلها . هذا الأساس يصدق على الفكر الاعتزالي ، وعلى ظروف نشأته في الفكر الاسلامي . وإذا كانت المبادئ الفكرية للمعتزلة - بعد تطورها ونضجها - قد أمكن تلخيصها في مبدأين رئيسيين هما « أن اللّه واحد . . . وأنه العدل في قضائه الرحيم بخلقه » 3 وهما ما أطلق عليهما مبدأي « التوحيد والعدل » فإن باقي أفكار المعتزلة ، أو مبادئها الخمسة يمكن أن ترتدّ - في التحليل النهائي - إلى هذين المبدأين . فمبدأ « الوعد والوعيد » داخل في العدل لأنه كلام في أنه تعالى إذا وعد المطيعين بالثواب ، وتوعّد العصاة بالعقاب ، فلا بدّ من أن يفعل ولا يخلف في وعده ولا في وعيده ومن العدل أن لا يخلف ولا يكذب ، وكذلك المنزلة بين المنزلتين داخل في باب العدل . . . وكذا الكلام في « الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر » 4 . ومعنى ذلك