نصر حامد أبو زيد
103
الاتجاه العقلي في التفسير
يَسْبَحُونَ و كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى 36 . د - الفراء وبلورة المصطلح إذا تركنا أبا عبيدة ، وانتقلنا لمعاصره الفراء ، فسنجد تحديدا أدق لمفهوم المجاز ، أو التجاوز في الدلالة عموما . وإذا كان الفراء لم يستخدم كلمة « مجاز » التي جعلها أبو عبيدة عنوانا لكتابه ، فإنه استخدم صيغة الفعل « تجوز » وذلك حين تعرّض لقوله تعالى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ حيث اعتبر اسناد الربح إلى التجارة تجوزا في التعبير . وهذا الاستعمال للفعل « تجوز » في هذا السياق يعني أن مفهوم « المجاز » أو « التجوز » قد تقدّم على يد الفراء خطوة بعد أبي عبيدة ، وذلك أن معنى « تجوز في كلامه أي تكلم بالمجاز » 37 . يقول الفراء في تعليقه على هذه الآية « ربما قال القائل : كيف تربح التجارة وإنما يربح الرجل التاجر ؟ وذلك من كلام العرب : ربح بيعك وخسر بيعك ، فحسن القول بذلك ، لأن الربح والخسران إنما يكون في التجارة ، فعلم معناه ، ومثله من كلام العرب : هذا ليل نائم . ومثله من كتاب اللّه : فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ وإنما العزيمة للرجال ، ولا يجوز الضمير إلّا في مثل هذا . فلو قال قائل : قد خسر عبدك ، لم يجز ذلك إن كنت تريد أن تجعل العبد تجارة يربح فيه أو يوضع ، لأنه قد يكون العبد تاجرا فيربح أو يوضع ، فلا يعلم معناه إذا ربح هو من معناه إذا كان متجوزا فيه . فلو قال قائل : قد ربحت دراهمك ودنانيرك وخسر بزك ورقيقك ، كان جائزا لدلالة بعضه على بعض » 38 ولعله من المفيد أن نتوقف قليلا أمام هذا النص محاولين استجلاء مفهوم التجاوز في التعبير عند الفراء . وأول ما يلفت الانتباه في هذا النص محاولة الفراء - شأن أبي عبيدة والمفسرين قبله - أن يردّ العبارة القرآنية إلى كلام العرب ، ثم أن يبين أن سبب التجاوز هو أن « الربح والخسران إنما يكون في التجارة فعلم معناه » أي أن التجاوز في الاسناد لم يؤدّ إلى غموض المعنى بسبب تلك الصلة القائمة بين التاجر - الفاعل الحقيقي للربح - وبين التجارة - التي يحدث فيها الربح - ولذلك فذهن القارئ ينصرف فورا إلى أن المعنى هو ربح التاجر في التجارة . والرغبة في وضوح المعنى هي التي تجعل الفراء يرفض التجاوز في مثل « خسر عبدك » إذا كنت تريد أن تجعل العبد تجارة لا تاجرا . والذي يجعل الفراء يرفض التجاوز في هذا التركيب أن جملة « خسر عبدك » تحتمل معنيين : المعنى الأول : أن يكون العبد تاجرا في مال سيده فيخسر ، وبذلك يكون الاسناد حقيقيا لا مجازيا . والمعنى الثاني : أن يكون العبد نفسه تجارة يخسر فيها السيد ، وهنا يكون الاسناد مجازيا ، أو متجوزا فيه على حد تعبير الفراء . يرفض الفراء هذا التركيب