نصر حامد أبو زيد
104
الاتجاه العقلي في التفسير
لأنه يؤدي إلى غموض يعوقنا عن فهم المراد ، وذلك لأنه يحتمل الاسناد الحقيقي والمجازي معا دون مرجح أو قرينة ترجح بينهما . فإذا ورد تركيب مشابه لهذا التركيب في سياق يفهم منه المعنى كأن تقول « قد ربحت دراهمك ودنانيرك ، وخسر بزك ورقيقك » كان جائزا لدلالة بعضه على بعض . والذي يهمنا في هذا النص هو التفات الفراء لمعنى التجاوز في التعبير ، واستخدامه لكلمة « التجوز » التي هي أقرب إلى كلمة « مجاز » ثم ادراكه للعلاقة بين المجاز والحقيقة في اسناد الفعل إلى غير فاعله ، وذلك لوجود علاقة بين الفاعل الأصلي والفاعل النحوي في العبارة . وإذا كان الفراء قد تنبه - في النص السابق - إلى التجاوز في إسناد الفعل إلى غير فاعله ، فهو في مواطن كثيرة يتنبه إلى هذا التجاوز ، دون أن يشير إلى كلمة « التجوز » التي كثرت اشارته إليها في النص السابق ، بل يستخدم كلمة قريبة جدا من معنى التجوز هي « الاتساع » . يقف أمام قوله بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ ويقول : « المكر ليس لليل ولا للنهار ، وانما المعنى : بل مكركم بالليل والنهار . وقد يجوز أن نضيف الفعل إلى الليل والنهار ، ويكونا كالفاعلين ، لأن العرب تقول : نهارك صائم ، وليلك نائم ، ثم تضيف الفعل إلى الليل والنهار ، وهو في المعنى للآدميين كما تقول : نام ليلك ، وعزم الأمر ، إنما عزمه القوم . فهذا مما يعرف معناه فتتسع به العرب » 39 . ويلح الفراء هنا كما في المثال السابق على وضوح الدلالة « فهذا مما يعرف معناه » . وإذا كان التجاوز في المثالين السابقين تجاوزا في الاسناد ، فثم نوع آخر من التجاوز يكون في دلالة الصيغة الصرفية ، فصيغة « فاعل » تدل على اسم الفاعل ، ولكنها قد يتجوز بها فتدل على اسم المفعول . ومن الطبيعي أن يقف نحوي كالفراء أمام هذه الظواهر ليتأملها ويحاول أن يردّها إلى ما هو معروف من كلام العرب . يتوقف مثلا أمام قوله تعالى : فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ فيقول : « فيها الرضاء ، والعرب تقول : هذا ليل نائم ، وسر كاتم ، وماء دافق ، فيجعلونه فاعلا ، وهو مفعول في الأصل ، وذلك أنهم يريدون وجه المدح والذم ، فيقولون ذلك لا على بناء الفعل ، ولو كان فعلا مصرحا لم يقل ذلك فيه ، لأنه لا يجوز أن تقول للضارب : مضروب ، ولا للمضروب : ضارب ، لأنه لا مدح فيه ولا ذم » 40 والفراء هنا يحدد وظيفة للانتقال بالصيغة عمّا وضعت له من دلالتها الصرفية إلى دلالة أخرى ، هذه الوظيفة هي المدح أو الذم . والمقصود بالمدح والذم هنا هو التعبير عن شيء وراء الوصف الظاهري . وبدون هذا الشيء لا يصح استخدام الصيغة في غير ما وضعت له ، ومعنى ذلك أن الانتقال بالصيغة من معنى الفاعل إلى معنى المفعول يتضمن مدحا أو ذما لا تعبر عنه الصيغة في دلالتها الأصلية .