نصر حامد أبو زيد

102

الاتجاه العقلي في التفسير

مجازها : أهل القرية » 33 فإذا تركنا الحذف إلى وسائل التعبير التصويرية كالتشبيه والتمثيل والاستعارة فسنجد أبا عبيدة يلجأ لتبسيط التراكيب الاستعارية والتمثيلية بدلا من أن يحللها ويتذوقها ويكشف عن مناحي الجمال فيها ، فقوله سبحانه كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ يصبح معناه « ميتة » وقوله ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ يتحول إلى « الزموا المسكنة » وقوله وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ يصير « جعلنا » . أمّا أخذ اللّه للأسماع والأبصار في الآية قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ « فمجازه إن أصمّ اللّه أسماعكم وأعمى أبصاركم » . وقوله تعالى فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ معناه « قالوا : إنكم لكاذبون . وتصبح الهبة الإلهية وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي « مجازه جعلت محبة مني في صدور الناس » . و تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ مجازه تقبلونه ويأخذه بعضكم عن بعض » . وكذلك قوله وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ « مجازه وجعل فيها رواسي أي جبالا قد رست أي ثبتت » وقوله تعالى قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ تصير « يأتي بالحق » 34 . وفي هذه الآيات كلها يبدو التركيب القرآني - في شرح أبي عبيدة - كما لو كان فيه إطالة تحتاج للحذف والاختصار . وبذلك يتعادل التركيب المعقد والتركيب البسيط ليعبرا عن معنى واحد في النهاية . ومعنى ذلك كله أن أبا عبيدة أدرك أن في هذه التعبيرات جميعا شيئا غير عادي ، شيئا يحتاج للتوضيح كما احتاج التشبيه برءوس الشياطين إلى الشرح والتوضيح . وهو وإن كان لم يبيّن الفارق الدقيق بين مستويي التعبير المجازي والتعبير الحقيقي ، فإن مجرد توقفه أمام هذه النماذج ووضعه إياها تحت المجاز يعدّ نقلة كبيرة في انضاج مفهوم المجاز وتطويره . ومن انجازات أبي عبيدة أنه يلتفت إلى ما يمكن أن نطلق عليه أسلوب « التشخيص » في القرآن ، وهو اطلاق صفات انسانية على الحيوان والجماد . غير أن ما يلفت نظر أبي عبيدة إلى هذا الأسلوب هو استخدام ضمائر العاقل بدلا من ضمائر غير العاقل . والأمثلة التي يتوقف أمامها هي قوله تعالى قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ يقول : « هذا من الحيوان الذي خرج مخرج الآدميين . والعرب قد تفعل ذلك . قال : شربت إذا ما الديك يدعو صباحه * إذا ما بنو نعش دنوا فتصوبوا » 35 ويقول في قوله تعالى قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ « هذا مجاز الموات الذي يشبه تقدير فعله بفعل الآدميين » وهي نفس النظرة التي ينظر بها إلى الآيات وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ