نصر حامد أبو زيد
101
الاتجاه العقلي في التفسير
والقواعد التي درس على أساسها اللغة ، وقد يدفعه ذلك إلى رفض التركيب واتهامه بالخطإ . وغني عن البيان أن أي قاعدة نحوية أو لغوية تضيق دائما عن امكانيات الواقع الحي للغة وثرائه ، ويظل من يتعلم اللغة - ولفترة طويلة جدا - في حدود القواعد والحدود ، دون أن يتجاوز ذلك إلى رحابة الأساليب الفنية للغة ، تلك الأساليب التي تخضع القواعد لها دون أن تخضع هي للقواعد . والأمر الثاني الذي يلفتنا إليه كلام أبي عبيدة أنه يردّ المثال القرآني الذي سئل عنه إلى طريقة العرب التي نزل القرآن عليها . ومنهجه في الكتاب كله يقوم على ذلك ، بمعنى أنه يحاول شرح التركيب ، ثم يستشهد على صحته بأبيات من الشعر أو العبارات القرآنية . ويعدّ هذا المسلك من جانب أبي عبيدة استمرارا للتقليد الذي رفع شعاره ابن عباس « إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر فإن الشعر ديوان العرب » 30 . ومعنى هذا كله أن مصطلح « المجاز » عند أبي عبيدة ، وإن ظلّ شديد الالتصاق بمعناه اللغوي ، فإنه كان يديره « على أمر في نفسه ، وأنه التزم فكرة بعينها كانت تشغل ذهنه ، فلم تكن هذه الكلمة تعبر عن مدلول كلمة تفسير ، أو كلمة معنى بصفة مطلقة ، وإن كان هذا لا ينفي اطلاقها أحيانا في ذلك المعنى » 31 . والحذف - وهو ظاهرة أسلوبية - يعدّ من المجاز عند أبي عبيدة . ويشترط في الحذف ، أو في المحذوف أن يكون مما يمكن أن يعلمه المخاطب . وفي تعليقه على قوله تعالى : فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ يقول : « العرب تختصر لعلم المخاطب بما أريد به فكأنه خرج مخرج قولك : فأمّا الذين اسودت وجههم فيقال لهم أكفرتم ، فحذف هذا واختصر في الكلام » ويستشهد على ذلك بما قال الأسدي : كذبتم وبيت اللّه لا تنكحونها * بنى شاب قرناها تصر وتحلب ويقول : « أراد بنى التي شاب قرناها ، وقال النابغة الذبياني : كأنك من جمال بني أقيش * يقعقع خلف رجليه بشن يقول : كأنك جمل يقعقع خلف الجمل بشن ، ففهم عنه ما أراد » 32 ومن الواضح أن وظيفة الحذف هي الاختصار ، وشرطه أن لا يخلّ الحذف بوضوح المعنى . ومثال ثان يؤكد ما نذهب اليه ، وذلك في تحليله لقوله تعالى وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ حيث يقول : « سقوه حتى غلب عليهم ، مجازه ، مجاز الاختصار ، أشربوا في قلوبهم العجل ، حب العجل ، وفي القرآن وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ