نصر حامد أبو زيد

100

الاتجاه العقلي في التفسير

المفسّر قليلا عن ذي قبل ، فصار عليه أن يتناول النص القرآني من زاوية التركيب كما يتناوله من زاوية شرح الغامض من ألفاظه . وعلاوة على ذلك كان عليه أن يتناول الجانب الاعرابي . وبمعنى آخر كان على هؤلاء المفسرين أن يخوضوا في مباحث بلاغية وأسلوبية أكثر اتساعا مما تعرّض له المفسرون السابقون ، بحكم هذه المهمة التي كانت تواجههم . وإذا كانت الدراسات الأسلوبية المعاصرة لا تفصل بين اللغة والبلاغة ، وتدخل في صميم عملها جنبا إلى جنب دراسة « موقع اللفظ ، والتكرار ، والوسائل الايقاعية والموسيقية ، والاستعارة والرمز والصورة » 26 فكذلك كان الأمر في تراثنا القديم ، حيث كانت الدراسة البلاغية متداخلة مع الدراسة اللغوية في كتب النحاة الأوائل أمثال « سيبويه » حتى اعتبره بعض الباحثين « واضع علمي المعاني والبيان » 27 واعتبر أن أبا عبيدة في كتابه « مجاز القرآن » لم يفعل أكثر من أنه سلك مسلك سابقيه من اللغويين من ربط النحو بالأساليب والتراكيب ، على عكس ما فعل المتأخرون حيث قصروه على أنه « علم يعرف به أحوال أواخر الكلم اعرابا وبناء » « والنحو بالمعنى الذي عناه المتقدمون هو الذي عنى مثله أبو عبيدة معمر بن المثنى بالمجاز عندما سمّى كتابه « المجاز في القرآن » وهو طريق العرب في التعبير عن مقاصدهم وأغراضهم وبيان ما قد يطرأ على الجملة العربية من تقديم أو تأخير أو حذف إلى نحو ذلك » 28 ومعنى ذلك أن مفهوم المجاز عند أبي عبيدة يتسع ليشمل كل ما يندرج تحت دراسة الأساليب . ومما يؤكد هذا المفهوم عند أبي عبيدة ما يحكيه هو نفسه عن سبب تأليف كتابه من أن كاتبا للفضل بن ربيع سأله عن قوله تعالى طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ وقال : إنما يقع الوعد والايعاد بما عرف مثله وهذا لم يعرف ، فقال له أبو عبيدة : « إنما كلم اللّه تعالى العرب على قدر كلامهم ، أما سمعت قول امرئ القيس : أيقتلني والمشرفي مضاجعي * ومسنونة زرق كأنياب أغوال وهم لم يروا الغول قط ، ولكنهم لمّا كان أمر الغول يهولهم أوعدوا به . فاستحسن الفضل ذلك واستحسنه السائل ، وعزمت في ذلك اليوم أن أضع كتابا في القرآن في مثل هذا وأشباهه وما يحتاج إليه من علمه ، فلما رجعت إلى البصرة عملت كتابي الذي سميته « المجاز » 29 . وهذا الذي يحكيه أبو عبيدة يلفتنا إلى أمرين : الأمر الأول أن التساؤل يصدر عن كاتب للفضل بن ربيع ، وهو في الغالب من الفرس المتعربين الذين لا يدركون أسرار التركيب العربي ، وإن عرفوا مفرداته وأساليبه الشائعة . ومثل هذا يتوقف أمام التركيب اللغوي الذي لا يتفق