محمد ابراهيم شادي

73

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )

وهذا يدل على أن تلك الموازنة التي كان يديرها في نفسه كانت موازنة منهجية قائمة على التتبع والاستقصاء لكل ما وقع تحت نظره من منثور وموزون ليرى هل تتوفر فيه من السمات والميزات التي يراها في آية من الآيات التي ينظر فيها ، هذا واضح جلي من عبارته السابقة . على أنه في سياق كشفه عن ضروب البديع في تلك الآية يلمح إلى انسجام فكرته السابقة في التعريف مع تطبيقه ، بحيث ترى كل ضروب البديع في الآية نابعة من قوة الكلام ووفرة معانيه فلنقف مع تتبعه لما في تلك الآية من بديع لنتأكد من هذا النهج ولتكون هي خير ما نختم به الحديث عن دور ابن الإصبع في البحث عن تميز القرآن الكريم وتفوقه عن كلام العرب . يقول : " وتفصيل ما جاء فيها من البديع : المناسبة التامة في ( ابْلَعِي و أَقْلِعِي ) والمطابقة اللفظية في ذكر السماء والأرض ، والاستعارة في قوله ( ابْلَعِي و أَقْلِعِي ) للأرض والسماء ، والمجاز في قوله : ( وَيا سَماءُ ) فإن الحقيقة : ويا مطر السماء أقلعي « 1 » ، والإشارة في قوله : ( وَغِيضَ الْماءُ ) فإنه سبحانه وتعالى عبر بهاتين اللفظيتين عن معان كثيرة ، لأن الماء لا يغيض حتى يقلع مطر السماء وتبلع الأرض ما يخرج من عيون الماء فينقص الحاصل على وجه الأرض من الماء ، والإرداف في قوله : ( اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ) فإنه عبر عن استقرار السفينة على هذا المكان وجلوسها جلوسا متمكنا لا زيغ فيه ولا ميل لطمأنينة أهل السفينة بلفظ قريب من لفظ الحقيقة ، والتمثيل في قوله : ( وَقُضِيَ الْأَمْرُ ) فإنه عبر بذلك عن هلاك الهالكين ونجاة الناجين بلفظ فيه بعد ما من لفظ الحقيقة بالنسبة إلى لفظ الإرداف ، والتعليل لأن غيض الماء علة الاستواء ، وصحة التقسيم حين استوعب سبحانه أقسام أحوال الماء حالة نقصه ، إذ ليس إلا احتباس ماء السماء واحتقان الماء الذي ينبع من الأرض ، وغيض الماء الحاصل على ظهر الأرض ، والاحتراس في قوله : ( وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) محترسا من توهم من يتوهم أن

--> ( 1 ) وهذا المجاز ليس في النداء باعتبار أن الكائنات منقادة للّه سبحانه ولكن قصد المؤلف هنا المجاز المرسل بعلاقة المجاورة أو المحلية حيث نادى السماء والمقصود ما يجاورها من مطر .