محمد ابراهيم شادي

74

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )

الهلاك ربما عمّ من لا يستحق الهلاك فجاء سبحانه بالدعاء على الهالكين ليعلم أنهم مستحقو الهلاك . . والانفصال : فإن لقائل أن يقول : إن لفظة القوم مستغنى عنها ، فإنه لو قيل : " وقيل بعدا للظالمين " لتمّ الكلام ، والانفصال عن ذلك أن يقال : لما سبق في صدر الكلام قبل الآية قوله تعالى : ( وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ ) [ هود : 38 ] ، وقال سبحانه قبل ذلك مخاطبا لنوح عليه السلام : ( وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ) [ من الآية 37 : هود ] ، فاقتضت البلاغة أن يؤتى بلفظة القوم التي آلة التعريف فيها للعهد ليتبيّن أنهم القوم الذين تقدم ذكرهم في قوله تعالى ( وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ ) ووصفهم بالظلم وأخبر بسابق علمه أنهم هالكون بقوله سبحانه : ( وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ) فحصل الانفصال عن الإشكال ، وعلم أن لفظة القوم ليست فضلة في الكلام . . وحسن النسق في عطف القضايا بعضها على بعض بأحسن ترتيب حسبما وقعت أولا فأولا ، فإنه سبحانه أمر الأرض بالابتلاع ثم عطف على ذلك أمر السماء بالإقلاع ، ثم عطف غيض الماء على ذلك ، ثم عطف عليه قضاء الأمر بهلاك الهالكين ونجاة الناجين ، ثم عطف على ذلك الدعاء على الهالكين ، فجاء عطف هذه الجمل على ترتيب وقوعها في الوجود ، وائتلاف اللفظ مع المعنى لكون كل لفظة لا يصلح في موضعها غيرها ، والإيجاز لأنه سبحانه اقتص القصة بلفظها مستوعبة بحيث لم يترك منها شيئا في أخصر عبارة ، والتسهيم لأن من أول الآية إلى قوله تعالى : ( أَقْلِعِي ) يقتضى آخرها والتهذيب ؛ لأن مفردات الألفاظ موصوفة بصفات الحسن ، كل لفظة سهلة مخارج الحروف ، عليها رونق الفصاحة مع الخلو من البشاعة ، والتركيب سليم من التعقيد وأسبابه « 1 » . وحسن البيان من جهة أن السامع لا يتوقف في فهم معنى الكلام ، ولا يشكل عليه شئ منه ، والتمكين لأن الفاصلة مستقرة في قرارها ، مطمئنة في مكانها غير قلقة ولا مستدعاة ، والانسجام وهو تحدر الكلام بسهولة وعذوبة سبك مع جزالة

--> ( 1 ) هذا معنى للتهذيب وله معنى آخر عنده هو حسن ترتيب الكلمات في النظم ، بديع القرآن 158 .