محمد ابراهيم شادي

70

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )

بذلك الافتنان ، وهو جمع الكلام بين فنّي الفخر والهجاء ، فإن في وصفهم بالظلم وصف ذاته بالعدل ، ووصف نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك " « 1 » . وحاصل ما سبق أن ابن أبي الإصبع لم ينص في هذا الباب على الموازنة وربما منعه من هذا أن الأبيات التي استشهد بها لا تلتقي مع الآية في شئ من المعنى ولا في شئ من النظم ، فلا يلتقيان إلا في الغرض وهو الذم والهجاء ، وأن هذا الذم يخلو من الفحش ، ويتسم بالنزاهة ، ولهذا سمي هذا الباب بالنزاهة ، على أن الاتفاق في الغرض وحده ليس مبررا للموازنة ، سوى أن وقفته مع الآية واستخلاص سماتها البلاغية التي لا توجد في الشعر يحمل في داخله موازنة ضمنية لأنه بحث في تميز وسائل عرض الغرض في القرآن الكريم . ربما أراد ابن أبي الإصبع من وراء هذا أن أغراض القرآن الكريم تتسم بالسمو والرقي ، وأن الشعر قد ينال حظا من هذا فيوجد في الهجاء نزاهة ؛ لكنه لا يرقى إلى ما في القرآن من وسائل خاصة تتزاحم فيها البلاغة ، وقد رأينا ما في الآية من حسن تقسيم ، وما فيها من إيغال وافتنان . ثم لاحظنا أن ابن أبي الإصبع يربط بين هذه الخصوصيات الأدائية وبين الدواعي المعنوية ، فحسن التقسيم في الآية يعنى استقصاء الدواعي التي تصرف الناس عن قبول حكم اللّه بحيث لم يترك منها شيئا في إشارة إلى علم اللّه سبحانه بدواخل هؤلاء الناس ، وأنه بذكر هذه الأشياء يحاصرهم ويواجههم وينكر عليهم بواسطة الاستفهام : ( أَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) [ النور : 50 ] . أما الإيغال والافتتان فقد ظهر في الرد على أخطر هذه الأمور الثلاثة وهو الأخير منها لأنه يمس المشرع سبحانه وتعالى ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم وذلك في قوله سبحانه ( بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) فهو إيغال في داخله افتنان ، أما الإيغال فللمجيء بعد تمام المعنى بزيادة لنكتة ، وتلك النكتة هي الافتنان الذي يعنى مجيء الكلام لغرض في داخله غرض آخر غيره ، فالغرض الذي سيقت له تلك الفاصلة هو ذمهم بالظلم ،

--> ( 1 ) راجع بديع القرآن 94 .