محمد ابراهيم شادي

64

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )

ومن تلك الموازنات التطبيقية ما ورد عند ابن أبي الإصبع في باب جمع المؤتلفة والمختلفة ( من الموازنات في الأسلوب ) : ويعرفه بأنه أن يريد المتكلم التسوية بين ممدوحين فيأتي بمعان مؤتلفة في مدحهما ثم يروم ترجيح أحدهما بزيادة فضل لا ينتقص بها الآخر فيأتي لأجل ذلك الترجيح بمعان تخالف معاني التسوية " « 1 » ومنه قول الخنساء في أخيها صخر وقد أرادت مساواته في الفضل بأبيها مع مراعاة حق الوالد بزيادة فضل لا ينتقص بها مدح الولد ، فقالت : جارى أباه فأقبلا وهما * يتعاوران ملاءة الحضر « 2 » وهما - وقد برازا - كأنهما * صقران قد حطا إلى وكر حتى إذا نزت القلوب وقد * لزّت هناك العذر بالعذر « 3 » وعلا هتاف الناس أيهما ؟ * قال المجيب هناك لا أدري برقت صحيفة وجه والده * ومضى على غلوائه يجري أولى فأولى أن يساويه * لولا جلال السن والكبر والذي جاء من هذا الباب في الكتاب العزيز قوله سبحانه : ( وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ * فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً . . ) [ الأنبياء : 78 ، 79 ] . وقد وازن ابن أبي الإصبع بين الأبيات والآيتين موازنة أسلوبية في طريقة أداء المعنى وما تستوى فيه الأبيات مع الآيتين في هذا الباب الذي سماه بجمع المؤتلفة والمختلفة ثم عقب بالمحاسن التي تتميز بها الآية من جهة البلاغة ، وحاصل كلامه في هذا أنّ الأبيات بدأت كما بدأت الآية في التسوية بين الأب

--> ( 1 ) نفسه 127 . ( 2 ) الملاءة : كل ثوب لين رقيق ، والجمع : ملاء ، والخضر : العدو والسباق ، فقد شبه غبار السباق الذي يغطيهما بالملاءة التي يتعاورها الأب والابن أي يتبادلانها فيرتديها أبوه مرة ويرتديها ابنه مرة يعنى أن هذا يسبق مرة وذاك يسبق مرة ، ووراء هذه الاستعارة كناية عن التساوي في مرات السبق ، وهناك رواية أخرى هي : ملاءة الفخر . ( 3 ) العذر : جمع عذار وهو السير من الجلد الذي يكون على خد الدابة من اللجام .