محمد ابراهيم شادي
51
إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )
الخشية من لسانه والخوف من ذمه أو الرغبة في مدحه ، فأفضل من هذا أن يكون إكرامه طبيعة أو لأن للعطاء والإكرام لذة كما قال الشاعر : ليس يعطيك للرجاء ولا لل * خوف لكن يلذ طعم العطاء ثم لننظر إلى موازنة ابن أبي الإصبع بين الآية والأبيات ، فهو يرى أن الآية أجمع في الوصايا ونظمها أدخل في البلاغة ، وهذه الناحية عنده هي مقياس التفوق ، فنظم الآية حصل فيه صحة التقسيم لاستيفائها جميع أقسام من تجب الوصية به والإحسان إليه ، وفيه الإيجاز والمساواة لكون لفظها طبق معناه ، والتهذيب لما وقع فيها من حسن الترتيب إذ بدأ سبحانه بذى القربى وعطف عليهم باليتامى لما يجب من تقديمهم على المساكين ، وعطف الجار ذي القربى على المساكين وأفراده بالذكر بعد دخوله في عموم المساكين لينبه على العناية به ، وعطف عليه الجار الجنب ( أي الصاحب ) وقدمه على الصاحب المجاور في السفر والحضر وعطف على ذلك ابن السبيل وختم الوصية بحسن الملكة " « 1 » . وحاصل ما سبق أن الآية أجمع في الوصايا وأدخل في البلاغة ، وهذا ما تتميز به ، بل لو قلنا إن الأبيات تفتقر إلى البلاغة لما بعدنا ، وكان حريا بابن أبى الإصبع أن يستبعدها من مجال الموازنة ، وأن يأتي بمستوى من الشعر أرقى حتى يكون تفوق القرآن عليه مما يعتد به . أما القسم الثاني للتنظير وهو ما يكون بين كلامين مختلفين في المعاني فيستشهد له ابن أبي الإصبع بشاهد نادر في التراث الشعرى ، بقصيدة كاملة للأعشى يسجل فيها موقفا إنسانيا للسموءل في قصة وفائه بأدراع امرئ القيس التي أودعه إياها عند دخوله الروم ، وقصد الحارث الأعرج الغساني صاحب الشام السموأل ومحاصرته له في حصنه المعروف بالأبلق الفرد وقتله لولد السموأل وهو مشرف ينظر ولم يسلم الأدراع ، ولم تزل عنده حتى سلمها لورثة امرئ
--> ( 1 ) بديع القرآن 239 .