محمد ابراهيم شادي

50

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )

فالشعر تتوقف حياته وحيويته على التصوير والإيقاع ، فإذا جاء المعنى مكشوفا مجردا زال عنه ماء الشعر ورونقه ، وليس كذلك القرآن الذي يحتفظ بسموه وهيبته وارتقاء مستوى الأداء فيه سواء جاء المعنى مصورا أو من غير تصوير كما نرى في الحقائق الدينية والعقائدية والتشريع والمواريث والحدود والمعاملات التي يتألق فيها النظم على كيفيات خاصة حافلة بالخصوصيات والإشارات التي تدعم المعنى المقصود وتجعله مقرونا بالترغيب أو الترهيب والحسم والتأكيد ، وانظر إلى السياق الذي وردت فيه تلك الوصايا القرآنية حيث بدأت الآية برأس الإيمان وأساس العقيدة ( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ) وعظمت حق الوالدين إذ عطفت التوصية بالإحسان إليهما على عبادة اللّه سبحانه ( وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ) فالعبادة للّه سبحانه لأنه قدر وجودنا والإحسان إلى الوالدين لأنهما سبب وجودنا وجاءت التوصية بها مؤكدة بالمصدر ( إحسانا ) ولم يظهر الفعل ( أحسنوا ) للإشارة إلى أن هذا مما ينبغي أن يكون موجودا بالفطرة التي فطر اللّه الناس عليها ففي حذفه إشارة إلى إيقاظ ما هو موجود في الفطرة ، ثم إن هذا الحذف يشير إلى أن الإحسان إلى الوالدين ليس كعبادة اللّه وحده لا شريك له وإن جاء بعده في الأهمية ثم إن عطف ما عطف بعد ذلك يشير إلى أن له نفس الدرجة من الأهمية وله نفس التوصية بالإحسان كأن قال وبذى القربى إحسانا وباليتامى إحسانا وبالمساكين إحسانا ، لكن لم يقل هذا تحاشيا للتكرار واعتمادا على العطف الذي دل على المشاركة وإن كان اقتران ذي القربى بالباء دون اليتامى والمساكين الخ . . يدل على التشدد في حق ذي القربى وأن لهم نفس درجة الوالدين في الإحسان وأن هذه الدرجة لا يصل إليها من جاء بعدهما . . فكل هذه الإشارات لم تذكر بلفظ ولكنها فهمت من التصرف في النظم على كيفيات معينة . ، وهذا من خصوصيات النظم القرآني الذي لا نجده في تلك الأبيات ، فالمعاني فيها مباشرة وعارية عن خصوصيات النظم سوى أنه قدم الخليل ووصى بدوام وده وعلل لهذا ( ما خير ود لا يدوم ) وعطف عليه التوصية بالجار لأن هذا حقه المعروف عند العرب ووصى به هذا الدين ، على أن البيت الأخير وإن كان يتضمن حكمة ومعنى واقعا فإنه مما يؤخذ عليه ، لأنه لا ينبغي أن يكون الدافع لإكرام الضيف مجرد