محمد ابراهيم شادي

49

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )

ومن الواضح بداية أن التنظير أشمل من الموازنة ، لأن الموازنة تقتصر على كلامين متقاربين معنى أو يشتركان في أصل المعنى ، لكن التنظير يتناول المقارنة بين كلامين متفقين معنى وبين كلامين مختلفين معنى ، فالموازنة على كل حال داخلة في مفهوم التنظير ويذكر ابن أبي الإصبع ما يدل على الغرض من النظر بين كلامين بقوله : " ليظهر الأفضل منهما " فهي غاية شريفة تستحق هذا النظر المتأمل الصادر عن خبرة ودراية ومعرفة بطبقات الكلام مع القدرة على التمييز ورصد الخصائص ومعرفة الفروق . ثم إن هذه الغاية الشريفة تستمد شرفها من كونها الوسيلة المنهجية لتحديد أسباب الإعجاز وأسراره . ومثال القسم الأول للتنظير - وهو المقارنة بين كلامين متفقين معنى قول يزيد بن الحكم الثقفي من شعراء الحماسة : يا بدر والأمثال يض * ربها لذي اللب الحكيم دم للخليل بودّه * ما خير ودّ لا يدوم واعرف لجارك حقه * والحق يعرفه الكريم واعلم بأن الضيف يو * ما سوف يحمد أو يلوم يوازن ابن أبي الإصبع بين هذه الوصايا وبين قوله تعالى : ( وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً ) [ النساء : 36 ] وبالعودة للأبيات نجد الشاعر يوصى فيها بالخليل " الصاحب " والجار ، والضيف الذي يقابله في الآية ( ابن السبيل ) وترك الوصية بالأهم - في حدود جزء الآية الذي اقتطعه ابن أبي الإصبع وهو ذو القربى ثم اليتامى والمساكين . . الخ . على أن هذا الشعر يتناول وصايا مجردة ، وهو شبيه بالشعر الذي استخف به الجاحظ واستبعد أن يكون قائله شاعرا : لا تحسبنّ الموت موت البلى * فإنما الموت سؤال الرجال كلاهما موت ولكن ذا * أشد من ذاك على كل حال