محمد ابراهيم شادي

46

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )

وبلاغته ولكنه تجاوز هذا إلى الكتب الخاصة بنقد الشعر ونقد النثر وكتب الموازنات . وهذا يدل على أنه عمد إلى التسلح بالثقافة النقدية قبل البحث في إعجاز القرآن وبديعه ليتمكن من الموازنة بين كلام وكلام ولما ذا يفضل هذا على ذاك كوسيلة لاستخراج نواحي التميز والتفوق . وهذا يعكس فهما ثاقبا لطبيعة البحث في إعجاز القرآن وحاجة الباحث فيه إلى تلك الثقافة النقدية التي نبه إليها عبد القاهر في سياق حديثه عن أهمية العلم باللغة والمعرفة بالشعر للباحث عن الإعجاز ليكون بصيرا بمعادن الكلام وقادرا على المفاضلة بين أسلوب وأسلوب ، فهذا هو السبيل إلى معرفة الإعجاز الذي لا يدرك كنهه ولا تتبيّن ملامحه إلا عن طريق تلك المفاضلة . ولعل هذا يفسر كثرة الموازنات التطبيقية في " بديع القرآن " بين آيات قرآنية وأبيات شعرية ، وإذا كان عبد القاهر قد نبّه إلى أهمية هذا المنهج ( نظريا ) فإن ابن أبي الإصبع قد اقتحم هذا المجال تطبيقيا في غير قليل من أبواب كتابه ، ونستطيع أن نقول إن الخطوات التي خطاها الرماني والباقلاني للموازنة من الناحية التطبيقية لم تتقدم إلى عند ابن أبي الإصبع فيما لا يقل عن عشرة من أبواب كتابه ، وليس أدلّ على اهتمامه بهذا النهج في البحث عن الإعجاز من جعله " الموازنة " عنوانا لأحد تلك الأبواب . فما ذا كان يقصد بهذا العنوان ( الموازنة ) ؟ يقول : " هي مقارنة المعاني بالمعاني ليعرف الراجع في النظم من المرجوح " ففي هذا التعريف يتبيّن الدافع والمنهج ، فالدافع للموازنة هو معرفة الراجح من المرجوح والأفضل من المفضول في نظم المعاني وصياغتها ، وسبيل ذلك ومنهجه هو مقارنة المعاني بالمعاني لا من أجل المعاني في ذاتها لمعرفة الأصوب أو الأبلغ ؛ لأن معاني القرآن لا تجارى في هذا ، وإنما المقارنة بين المعاني لمعرفة أيها أفضل نظما وأتم أداء وصياغة .