محمد ابراهيم شادي
47
إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )
ولعل هذا يذكرنا بحديث عبد القاهر عن المراد بالفصاحة والبيان والبلاغة والبراعة وأن المقصود بها أن يؤتى المعنى من الجهة التي هي أصح لتأديته وأجدر بأن تكسبه نبلا وحسنا « 1 » ، فكانت نظرة هؤلاء العلماء للمعاني ابتداء من أجل النظر في طريقة تأديتها وكيفية نظمها والفروق بين صورها المتعددة ففي هذا تكمن البراعة وتتألق الفصاحة والبلاغة ويظهر التفوق والتميز . ومن هذا يمكننا الاقتراب من مقصود ابن أبي الإصبع في تعريف الموازنة بأنها " مقارنة المعاني بالمعاني ليعرف الراجح في النظم من المرجوح " . على أننا كنا نتوقع من عنونة هذا الباب بالموازنة أن تأتي تلك الموازنة كافية شافية وعلى مستوى ذلك التعريف الدقيق ، لكن ابن أبي الإصبع ساقها مجملة سريعة بين قول الشاعر " السموأل " : وننكر على الناس قولهم * ولا ينكرون القول حيث نقول وبين قول اللّه تعالى : ( لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ ) [ الأنبياء : 23 ] يقول : " فإنك إذا وازنت البيت بالآية . . بيّن لك ما بين الكلامين من الفرق « 2 » ، وأمثال هذا الباب كثيرة ، وهذا أحد وجوه الإعجاز وهو قياس القرآن بكل معجز من الكلام " « 3 » . فصدر هذه العبارة وصياغتها بالجملة الشرطية التي تعنى أن تحقق الجزاء متوقف على تحقق الشرط يشير إلى أن الفرق بين الكلامين لا يتبيّن إلا عن طريق الموازنة ، فهي صياغة تهمس بأهمية الموازنة عند ابن أبي الإصبع ، ومن الواضح
--> ( 1 ) راجع دلائل الإعجاز 43 . ( 2 ) يعتمد ابن أبي الإصبع في إدراك الفرق على ذوق القارئ لوضوح هذا الفرق من وجهة نظره ، ويبدو أنه يتحدد في أن مدار الإثبات والنفي في البيت حول القول وإنكاره أو عدم إنكاره ، لكن مدار الإثبات والنفي في الآية حول الفعل الدال على تفرد اللّه سبحانه بالملك والسيطرة ، ثم إن التعبير في البيت بالفعل ( ننكر ) يدل على مجرد الرفض والاعتراض ، لكن التعبير في الآية بالفعل ( يسألون ) يدل على المسؤولية وما يستلزمها من تبعات وما بعدها من حساب وثواب وعقاب وهذا لا يكون إلا من القوي المهيمن ، على أن تقديم الفاعل على الفعل في قوله ( وهم يسألون ) يؤكد على أن المسؤولية تقع على عاتق المخلوق لا الخالق ففيها تخصيص وهو من أساليب القوة والهيمنة ، إن صياغة الآية أوجز وأحسم وأحفل بالمعاني بما يدل على العزة والقوة ، وقوة الكلام من قوة المتكلم سبحانه ، والآية مع هذا أدق وأسلس في ترتيب حروف ومقاطعها وكلماتها بما يدل على التفرد والتفوق والإعجاز ، فسبحان من هذا كلامه ( لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ ) . ( 3 ) بديع القرآن 95 .