محمد ابراهيم شادي
40
إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )
يوجد في الشعر ، يقول عبد القاهر وكان يعلل لدفاعه عن الشعر " أردته لأعرف به مكان بلاغة ، وأجعله مثالا في براعة ، أو احتج به في تفسير كتاب وسنة ، وانظر إلى نظمه ونظم القرآن ، فأرى موضع الإعجاز ، وأقف على الجهة التي منها كان ، وأتبين الفصل والفرقان " « 1 » . فهل يكون النظر في نظم الشعر ثم النظر إلى نظم القرآن لمعرفة مواضع الإعجاز إلا عين الموازنة ؟ ، وإنما تخير عبد القاهر الشعر في هذا المجال لأنه النموذج الأفضل لأدب العرب فإذا تفوق القرآن على الشعر ذي الوزن والقافية فإن تفوقه على غيره من أجناس كلامهم من باب أولى . ولا شك أن المهمة عظيمة وشاقة لأن استخلاص طرق النظم القرآنية يحتاج إلى فريق متعاون من الباحثين ، واستخراج طرق النظم عند عدد من شعراء الجاهلية يحتاج إلى فريق آخر ، أما الموازنة التي تقابل طرقا بطرق لتقف على خصوصيات القرآن وطرقه التي ينفرد أو يتفوق بها فتحتاج إلى فريق ثالث أرسخ قدما وأقدر على معرفة الفروق ، ولا شك أن تقدير هذا العمل الضخم يجعلنا نعذر عبد القاهر لإحجامه عن تنفيذه بشكل عملي ولا سيما وأنه كان في أخريات حياته . على أنه رحمه اللّه قد وضع شروطا لا بدّ من مراعاتها عند إحصاء طرق النظم التي يتميز بها القرآن وتتلخص في التفصيل الموضح الذي يزيل أي غموض مع التحليل لكل وجه من وجوه التفرد حتى يكون هذا خطابا مقنعا لكل الناس عندما نقول لهم هذه هي أسرار الإعجاز ، أو الوجوه التي يكمن فيها الإعجاز . ولعل هذه الزاوية هي التي دخل منها عبد القاهر إلى حديثه عن الإعجاز في رسالته المعروفة بالشافية ، فكل حديثه في هذه الرسالة كان خطابا للعقل من خارج القرآن إذ يستدل من كلام العرب المشركين أنفسهم ويدل على عجزهم ، ثم يستدل
--> ( 1 ) نفسه 26 .