محمد ابراهيم شادي
31
إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )
إلا عند الموازنة بين كيفيات التعبير عن الغرض الواحد ، وهذا غير متحقق عند الباقلاني ، وإن كانت الموازنة تجوز من غير اتفاق في الموضوع عندما تكون في طريقة البناء . - ثم إن الرماني ذكر ميزات محددة تنفرد بها الآية ويفتقر المثل إليها ، فقد أصاب صميم الإعجاز بذكر نواحي التفوق فيما تناوله . - على أنه لم ينتقص من المثل لمجرد خلوه من تلك الميزات لأنه يقدر أنه نتاج بشرى ، وأن قيمة القرآن لا تزيد بالتحامل في نقد كلام البشر فنراه يقول : " فباجتماع هذه الأمور التي ذكرناها صار أبلغ منه وأحسن وإن كان المثل بليغا حسنا " « 1 » . وهذا عكس ما دأب عليه الباقلاني إذ راح يبحث في الشعر عن نواحي الضعف ليثبت أنه يعتوره النقص . تقويم منهج الباقلاني : يعرض الباقلاني قصيدة امرئ القيس بيتا بيتا أو بيتين بعد بيتين ويكاد ينحصر نقده في الألفاظ والمعاني والنظم والبناء والترابط ، لكنه النقد الذي لا يخلو من التعسف والتحامل والمصادرة بداية بالنتيجة ، وكان الباقلاني يتعامل مع الشعر بفكره لا بذوقه ، مع أن في نقده لمحات تدل على أنه لا يفتقد إحساس المتذوقين ، لكنه عطل هذه الملكة فيما يبدو سعيا إلى تحقيق هدفه الذي وضعه نصب عينه ، وهو إثبات ما في شعر امرئ القيس من اختلاف واختلال ، وليست هذه هي الطريقة المثلى لاثبات الإعجاز ؛ لأن منزلة القرآن تثبت وإعجازه يتأكد إذا كان من يتحداهم لهم في البلاغة قدم راسخ ، ولقد كانوا كما وصفهم القرآن ذوى ألسنة حداد وإن يقولوا تسمع لقولهم . وربما كان عذر الباقلاني أنه عاش في عصر يموج بتيارات غريبة حتى لقد وجد نفرا يفضّل الشعر على القرآن وهذا ما أهاجه على امرئ القيس « 2 » حتى
--> ( 1 ) النكت من ثلاث رسائل 78 . ( 2 ) انظر الإعجاز البلاغي 29 للدكتور محمد أبو موسى عن الأستاذ محمود شاكر في مقدمة الظاهرة القرآنية .