محمد ابراهيم شادي

32

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )

لقد وصف شعره بالتعسف والضعف وقلة الفائدة والتفكك ، وكان يقلب المحاسن أحيانا ، ففي قول امرئ القيس مثلا : ففاضت دموع العين منّى صبابة * على النّحر حتى بلّ دمعي محملى يقول : " قوله : ففاضت دموع العين " ثم استعانته بقوله " منى " استعانة ضعيفة عند المتأخرين في الصنعة وهو حشو غير مليح ولا بديع ، وقوله " على النحر " حشو آخر ، لن قوله : " بلّ دمعي محملي " يغنى عنه ويدل عليه . . ثم قوله : " حتى بل دمعي محملي " إعادة ذكر الدمع حشو آخر ، وكان يكفيه أن يقول : " حتى بلت محملي " فاحتاج لإقامة الوزن إلى هذا كله " « 1 » . فالباقلاني بهذا النقد يجرد الشاعر من المشاعر الحارة التي تدل عليها كلمات عدّها الباقلاني حشوا وتكرارا ، وأعجب من هذا اقتراحه قائلا : " ولو كان أبدع لكان يقول : " حتى بلّ دمعي مغانيهم وعراصهم " فأي اقتراح هذا الذي يدعو إلى الغلو الفاحش . وأقرب كلمات الباقلاني إلى الاعتدال وتكشف عن هدفه قوله : " إن هذه القصيدة ونظائرها تتفاوت في أبياتها تفاوتا بيّنا في الجودة والرداءة والسلاسة والانعقاد والسلامة والانحلال . . والتوحش والاستكراه وله شركاء في نظائرها ومنازعون في محاسنها " « 2 » . وهو يسعى بهذا إلى أن لشعر أفصح شعرائهم نظيرا وليس للقرآن نظير ، وأنه يقع فيه التفاوت والاختلاف وليس في القرآن تفاوت ولا اختلاف ( وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ) . كان حسب الباقلاني أن يثبت هذا أما أن يسعى إلى التنقيص والتهوين ، فليس هذا هو الطريق الصحيح لإثبات الإعجاز ، وليس أدلّ على تحامله وتعسفه من أن الأبيات التي كانت موضع استحسان الناس جميعا من مثل :

--> ( 1 ) إعجاز القرآن 113 ( 2 ) نفسه 182 .