محمد ابراهيم شادي

17

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )

وحاصل هذا أن أفكار الخطابي في منهج البحث عن التميز كانت أفضل من تطبيقه ، وأن الرماني قد توازت وتعادلت أفكاره مع تطبيقاته وموازناته التي تسير في الطريق الصحيح للبحث عما يتميز به القرآن الكريم . 2 - أفكار الخطابي في منهج البحث عن التميز : بالعودة إلى تلك الأفكار نجده يقول : " وزعمنا أنها أمور لا تجتمع لأحد من البشر ، ولا يجوز أن تأتي عليها قدرته ، وإن كان أفصح الناس وأعرفهم بطرق الكلام وأساليب فنون البيان ، وذكرنا العلة في ذلك وبيّنا المعنى فيه ، ولم نقتصر فيما اعتمدناه من البلاغة لإعجاز القرآن على مفرد الألفاظ التي منها يتركب الكلام دون ما يتضمنه من ودائعه التي هي معانيه وملابسه التي هي نظوم تأليفه " « 1 » . ولعله يقصد بعلة التفوق تلك ما سبق من حديثه عن امتزاج طبقات الكلام ووجودها في القرآن مجتمعة وعلى اطراد بخلاف وجودها في كلام الناس فإنه يكون على التفرقة والتوزع ، ثم إن القرآن جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف مضمنا أصح المعاني ، وأن هذه الفضائل توجد مجتمعة ومطردة في القرآن بينما تفتقد في كلام الناس هذه السمة المميزة « 2 » . وربما لو لم يشغل الخطابي نفسه بالرد على شبهات تتصل بألفاظ القرآن ومعانيه لكان قد وفّى بما كنا ننشده من خصوصيات النظم القرآني ، لكنه على كل حال قدم لنا من خلال تلك الردود خصوصيات متفرقة تتعلق تارة بدقة اللفظ القرآني وأن غيره لا يسد مسده كقوله تعالى حكاية عن إخوة يوسف :

--> ( 1 ) راجع بيان إعجاز القرآن 27 وقد مهّد الخطابي لذلك بترسيخ أصل من أصول هذا العلم وهو صلة اللفظ بالمعنى وصلة النظم بهما فيقول " وإنما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة : لفظ حامل ومعنى به قائم ورباط لهما ناظم " وهذا رائع لأن كون اللفظ حاملا للمعنى يعنى أنه لا يتحدث عن اللفظ مفرغا من معناه ، و " معنى قائم به " يعنى أنه يقدر عدم قيام معنى من غير لفظ ثم إنهما لا يظهر لهما أثر من غير النظم الرابط ، وكان الخطابي يريد أن يصل إلى أن هذه الأمور في القرآن جاءت في غاية الشرف والفضيلة لكنه عقب ذلك بعبارة لم تكن موفقة هي قوله : " حتى لا ترى شيئا من الألفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه ، ولا ترى نظما أحسن تأليفا وأشد تلاؤما وتشاكلا من نظمه . . الخ " 27 فإن نفى أفضلية كلام البشر عن القرآن في ألفاظه ونظومه لا ينفى المساواة . . وهاذ ما تعنيه عبارته وإن لم يقصده . ( 2 ) راجع بيان إعجاز القرآن من ثلاث رسائل 35 .