محمد ابراهيم شادي
18
إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )
( فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ ) بدلا من افترسه لأن الافتراس لا يستلزم الأكل وقد قصدوا أن الذئب لم يترك منه شيئا حتى لا يطلب أبوهم دليلا من بقية منه . وكما في التعبير بقوله ( امْشُوا ) بدل امضوا في قوله تعالى ( وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ ) [ ص : 6 ] لأن المشي في هذا الموقع أولى وأشبه بالمعنى ؛ لأنه إنما قصد الاستمرار على العادة الجارية ولزوم السجية المعهودة في غير انزعاج منهم . . ، وذلك أشبه بالثبات والصبر المأمور به في ( وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ ) ، ولو قال : امضوا لكان فيه زيادة انزعاج ليس في قوله " امشوا " 43 ثلاث رسائل . وحاصله أن اللفظ القرآني أنسب للموقف وأشبه بالمعنى والسياق المجاور ، وقد علّل الخطابي لهذه الدقة تعليلا ناشئا من إدراكه الفروق اللغوية بين الأدوات والكلمات واستبطان السياق القرآني للوقوف على المقصود الذي يتطلب لفظا بعينه . وتارة تتعلق بالصلات بين المعاني التي قد تدق وتخفى على غير أولى الألباب كصلة قوله تعالى ( كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ ) بما قبلها في سورة الأنفال « 1 » . وتارة تتعلق ببناء السورة والتخلص من غرض إلى غرض وذلك في سياق الرد على من أدعى أفضلية أن يكون لكل سورة موضوع واحد « 2 » . وتارة أخرى تتعلق ببناء القرآن كله وما في سوره من تكرار ، ويبدو أن الخطابي كان واعيا بالتدرج في هذه الشبهات التي تنتقل من اللفظ إلى التركيب ثم بناء السورة وما يليه من بناء القرآن وقد أحسن الرد على تلك الشبهات ، وكان من ردوده ما يدخل في باب التميز ، لأن الحكم على القرآن ليس كالحكم على أساليبهم ، ومن الخطأ قياس كلام رب العالمين على كلامهم .
--> ( 1 ) راجع ثلاث رسائل 49 . ( 2 ) راجع المصدر نفسه 54 .