محمد ابراهيم شادي

7

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )

فقد وقف الرماني هنا على الغاية الدينية والأخلاقية التي تتميز بها بلاغة النص القرآني ، وهي إشاعة روح العدل بخلاف ما في بيت الشعر من الإيذان بروح الانتقام والوبال . والرماني لم يقف في هذه الموازنة على الفروق الدقيقة في الصياغة والتشكيل كما وقف عليها في الموازنة السابقة بين قوله تعالى : ( وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ ) وبين قول العرب : " القتل أنفى للقتل " ، فربما سكت عن هذا لأنه لاحظ أن الشرط الذي يراه في المزاوجة - المشاكلة - « 1 » يتحقق في البيت " فنجهل فوق جهل الجاهلينا " كما تحقق مثلا في قوله تعالى : ( فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ ) وهو أن " المزاوجة تقع في الجزاء " أي في الطرف الثاني للمشاكلة وهو الفرع المترتب على أصل الاعتداء فاكتفى بما تؤذن به الآية من روح العدل وبما يؤذن به البيت من روح الانتقام والوبال معتمدا في هذا على ما يقترن بالمشاكلة من كيفيات أخرى كقوله سبحانه وتعالى في الآية : ( بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ ) وقوله في البيت : " فوق جهل الجاهلينا " . أما عندما وجد شرطه للمشاكلة قد اختل ، فحينئذ نجده يقف ويدقق في موازنة أخرى بين بين الآية السابقة وقول العرب " الجزاء بالجزاء " فقد وقعت المشاكلة في هذا القول على عكس ما يراه ، إذ وقعت في أصل الاعتداء ، فسمي جزاء على سبيل الاستعارة ، لأن أصله الجزاء بسبب الاعتداء فلما قالوا : " الجزاء بالجزاء " شاكلوا فسموا الاعتداء جزاء بواسطة الاستعارة - حسب رؤيته للمجاز - وكان الأولى أن تقع المشاكلة والاستعارة في الجزاء لأنه فرع مرتب على أصل الاعتداء فيقال مثلا : الاعتداء بالاعتداء ، لهذا كان قولهم دون بلاغة القرآن الذي روعي فيه وقوع المزاوجة - كما يسميها - في الجزاء . وهذه ملاحظة دقيقة وضعت أساسا لكيفية المشاكلة وموقعها عند المتأخرين ولكن عبارته جاءت كزة فالتبست على الكثيرين فانصرف الناس عنها ، ولم يقفوا عند تلك الموازنة مع أهميتها وعبارته : " والاستعارة للثاني « 2 » أولى من الاستعارة

--> ( 1 ) وهو أن " المزاوجة تقع في الجزاء " 99 أي في الطرف الثاني للمشاكلة . ( 2 ) يقصد بالثاني : الجزاء ، وبالأول ، الاعتداء .