محمد ابراهيم شادي
103
إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )
لكن القرآن يتميز بأن الغرض الواحد فيه يأخذ من كل قسم حصة حتى انتظم له بامتزاج هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة « 1 » ويعنى هذا أن القرآن الكريم يخاطب بالآية الواحدة كل المستويات . فيجد الخواص فيها بغيتهم من الفخامة . ويجد عامة الناس فيها طلبتهم من العذوبة . 3 - إقناع العقل وإمتاع الوجدان : برع الشيخ دراز في الكشف عن تميز القرآن بإقناع العقل وإمتاع الوجدان معا ، وذلك موازنة بما في كلام الناس . فهاتان القوتان لا يمكن أن يوجدا معا في كلام واحد . وإن وجدا معا فلا يمكن أن يكون ذلك بشكل متكافئ ، إذ لا بد أن ترجح كفة على أخرى . وهذه هي الطبيعة البشرية التي لا تعمل فيها القوتان معا " الفكرية والوجدانية " في وقت واحد وبشكل متكافئ . ولا تجد أسلوبا واحدا يتجه اتجاها واحدا ويجمع بين يديك هذين الطرفين المتباعدين معا في وقت واحد كما يسرى الروح في الجسد والماء في العود الأخضر ، فذلك ما لا تظفر به في كلام بشر ، وإنما تجده في كلام اللّه سبحانه الذي لا يشغله شأن عن شأن . فهو القادر على أن يخاطب العقل والقلب معا بلسان . وأن يمزج الحق والجمال معا يلتقيان ولا يبغيان . ألا تراه في فسحة قصصه وأخباره لا ينسى حق العقل من حكمة وعبرة ، وفي معمعة براهينه وأحكامه لا ينسى حظ القلب من تشويق وترقيق وتحذير وتنفير وتهويل وتبكيت . يبث ذلك في مطالع آياته ومقاطعها وتضاعيفها . لكني لست مع الشيخ دراز وهو يصف تلك القوتين المتباعدتين فيعنون لهما بإقناع العقل وإمتاع الوجدان أو إمتاع العاطفة كما فسرها بعد ذلك ؛ لأن مسألة الإمتاع ليست هدفا للقرآن الكريم ولا وسيلة من وسائله . إن القرآن الكريم يسمو في وسائله وفي غاياته فيخاطب العقل ويستهوى الوجدان سعيا إلى التأثير من جهة العاطفة . لأن العاطفة قد تكون عند كثير من الناس أقوى فتكون هي نافذة الوصول إلى الاقتناع العقلي . وحينئذ يكون الاستهواء الوجداني وسيلة إلى الاستحواذ النفسي والعاطفي ويكون هذا من أهم
--> ( 1 ) - بيان إعجاز القرآن ضمن ثلاث رسائل 26 .