محمد ابراهيم شادي

104

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )

النوافذ إلى تقبل العقل واقتناعه . فالإنسان بطبيعته إذا أحب شيئا مال إليه واقتنع به . أما إمتاع الوجدان أو ما سماه بحظ القلب . فليس مما يعنى به القرآن . وعد إلى قوله : " في معمعة براهينه وأحكامه لا ينسى خط القلب من تشويق وترقيق وتحذير وتنفير وتهويل وتعجيب وتبكيت وتأنيب . . إلخ " « 1 » . فالحق أن التشويق والترقيق والتحذير والتنفير . . إلخ ليست من حظ القلب ولكنها من نتائج اعتماد القرآن على وسائل الاستحواذ النفسي والاستهواء الوجداني للتأثير وتوجيه النفس الإنسانية وجهة معينة . والمهم أن خاصية الاستهواء الوجداني تسير مع الإقناع العقلي بشكل متكافئ وفي خط متواز . وإن كنت أرى كما يرى أي متأمل أن بعض الأساليب القرآنية تعلو فيها نبرة الاستهواء النفسي . وأساليب أخرى تعلو فيها نبرة الإقناع العقلي مع وجود الخاصيتين معا . وذلك يرجع إلى تفاوت المقامات وطبائع المخاطبين . ولعل الشاهد الذي أورده يشفع له . فلم يرد فيه إمتاع الوجدان ولا حظّ القلب . يقول : " اقرأ مثلا قوله تعالى : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ [ البقرة : 178 ] - وانظر الاستدراج إلى الطاعة في افتتاح الآية بقوله : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) وترقيق العاطفة بين الواترين والموتورين في قوله : ( أَخِيهِ ) وقوله ( بِالْمَعْرُوفِ ) وقوله : ( بِإِحْسانٍ ) والامتنان في قوله : ( تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ) والتهديد في ختام الآية . ثم انظر في أي شأن يتكلم ؟ أليس في فريضة مفصلة وفي مسألة دموية ؟ وتتبع هذه الطريقة في سائر آيات الأحكام حتى أحكام الإيلاء والظهار " « 2 » .

--> ( 1 ) النبأ العظيم 110 ( 2 ) النبأ العظيم 109 بتصرف يسير