محمد ابراهيم شادي

92

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )

إثبات التميز بالموازنة : إن ذلك الذي تلاحظه في الشواهد القرآنية السابقة من توزيع الأصوات على مخارج الحروف توزيعا خاصا يقصد به الإشعار لذوي الأبصار بمعان إضافية خاصة مؤكدة للمعنى الظاهر المتاح لكل الناس ، يؤدى ذلك التوزيع إلى تسلسل الأصوات في الكلمات وانحدارها في يسر وتتابع مريح كانحدار حبات الندى من فوق الأوراق في سهولة وترقرق يأخذ بالألباب . وهذا من التميز الصوتي الذي يتأكد عندما نوازن بين الآية السالفة ( وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا ) [ الإسراء : 106 ] . وتوزيع الأصوات على المخارج توزيعا متعادلا في هذه الآية ظاهر لكل ذوق بصير وقد سبق بيانه وهو يعطى للآية مذاقا واتساقا خاصا يفوق ما يعطيه ذلك الانسجام الملموس من مجيء الآية على طريقة البحر الوافر وإن لم تكن شعرا لما سبق ، هذه الميزة لا نجدها في أي شعر جاء على بحر الوافر . خذ مثلا قول المتنبي من هذا البحر : ودهر ناسه ناس صغار * وإن كانت لهم جثث ضخام وما أنا منهم بالعيش فيهم * ولكن معدن الذهب الرغام فلا تجد حل الأصوات وترحالها بين الحلق والشفتين على نظام خاص كما لاحظناه قبل في تلك الشواهد القرآنية التي سبقت ، وإنما نجد في البيتين توزيعا للأصوات ليس له ضابط فقد تقصر المسافة بين الشفتين والحلق كما بين الواو والهاء من كلمة " ودهر " ثم تطول كما بين الهاء الحلقية في " ناسه " والواو الشفوية في بداية الشطر الثاني " وإن . . " ثم تعود للقرب الشديد حتى لا تجد وسائط بينهما كما في الهاء الحلقية والميم الشفوية في " لهم " وكما في الواو والميم في بداية البيت الثاني ( وما أنا ) وهكذا لا تجد نظاما واحدا تتعادل فيه الرحلات بين الحلق والشفتين قصرا فقط أو طولا فقط كما نجد فيما عرضنا له من آيات كريمة ، ومع أن توزيع الأصوات على مخارج النطق يخضع لنوع الحروف أو لأنواع الحروف التي تتشكل منها الكلمة ثم لتجاور الكلمات فإن هذا التوزيع نجد فيه تعادلا وانتظاما