محمد ابراهيم شادي
93
إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )
عجيبا في كلمات وتراكيب القرآن وهو سر من أسرار نظمه ، وهي ميزة فيه لا توجد في الشعر . إن توزيع أصوات الكلمات القرآنية على مخارج النطق كان بمقدار دقيق ، وله غاية هي الإشعار بمعان إضافية خاصة زائدة على المعنى المدلول عليه بالتركيب ، أما توزيع أصوات الكلمات الشعرية فليس بمقدار ولا ضابط له وليس له غاية محددة ، فلا نشعر من وراء ذلك التوزيع بشيء ، وما قد نلاحظه في الشعر من جرس أو همس أو قوة أو رقة ، فذلك لا يكون من توزيع الأصوات على مخارج النطق توزيعا خاصا ولكنه على قلته يكون من تردد حروف ذات صفات خاصة وهو غير مطرد في الشعر . إن للشعر وزنه وقافيته ما يحقق له الإيقاع الذي يجذب الأسماع وقد يتوفر له ضرب آخر من الإيقاع الداخلي الناشئ من تشطير أو تصريع أو حسن جرس الحروف ولكن لا تتوفر له تلك الميزة التي نتحدث عنها وهي توزيع أصوات الحروف على المخارج توزيعا متعادلا بحيث تجد رحلات منتظمة ما بين الحلق والشفتين ومرورا بمخرج وسط بينهما أو أكثر ، ولا مجال للقول بأن للشعر من وزنه ما يغنيه عن تلك الميزة وتكفيه ، أو أن ذلك التوزيع لأصوات الحروف على المخارج توزيعا متناسقا لا يجتمع مع الموزون من الكلام ، فإن هذا مما لا يقال ولا يعتد به ؛ لأن جملا من القرآن جاءت على بحور الشعر موزونة وقد تحقق فيها ذلك التوزيع ، كما سبق في قوله تعالى : ( وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا ) [ الإسراء : 106 ] . ولعل هذا هو سر المجيء أحيانا في القرآن بنحو هذا ليكون إعجازا للشعراء مضاعفا حتى لا يجرى في وهم أحد منهم أن يأتي بمثل القرآن . عودة إلى إعجاز النظم عند الرافعي : سبق أن الرافعي يرى للنظم جهات ثلاث هي الحروف والكلمات والجمل ، وسبق حديثه عن إعجاز الحروف وأصواتها وأنها تتبلور في التوازن الصوتي الناشئ من ترتيب الحروف ترتيبا خاصا يراعى فيه المخارج بحيث توزع تلك