عبد الحميد محمود متولي
6
أضواء على مناهج بعض المفسرين من زوايا علوم القرآن
وكان القوم عربا خلصا يفهمون القرآن ويدركون معانيه ومراميه بمقتضى سليقتهم العربية فهما لا تعكره عجمة . وكان للقوم وقفات ووقفات أمام بعض النصوص القرآنية التي دقّت مراميها ، وخفيت معانيها ، ولكن لم تطل بهم هذه الوقفات ، إذ كانوا يرجعون في مثل ذلك إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؛ فيكشف لهم ما دقّ عن أفهامهم ويجلى لهم ما خفى عن إدراكهم ، وهو الذي عليه البيان كما أن عليه البلاغ ، واللّه تعالى يقول له وعنه : . . . وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ « 1 » . ظل المسلمون على هذا يفهمون القرآن على حقيقته وصفائه ، ويعملون به على بيّنة من هديه وضيائه ؛ فكانوا من أجل ذلك أعزّاء لا يقبلون الذّلّ ، أقوياء لا يعرفون الضعف ، كرماء لا يرضون الضيم ، حتى دانت لهم الشعوب وخضعت لهم الدول . وعندما اتسعت رقعة الأمة الإسلامية ، وانتشرت الدعوة في الآفاق ، ودخل الناس في دين اللّه أفواجا ، تفرق الصحابة في الأمصار الإسلامية ، وتصدى بعضهم لتفسير كتاب اللّه تبارك وتعالى عن طريق المأثور عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وبإعمال العقل ، والرجوع إلى أمثال العرب وأشعارهم ، وظل المسلمون على هذا يفهمون القرآن الكريم على حقيقته ويتذوقون حلاوته . ثم خلف من بعدهم خلف تفرقوا في الذين شيعا ، وأحدثوا فيه بدعا وبدعا ، وكانت فتن كقطع الليل المظلم ، لا خلاص منها إلا بالرجوع
--> ( 1 ) من الآية [ 44 ] النحل .