محمد حسين علي الصغير
94
أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم
والحق أن نماذج التشبيه المركب في القرآن قد استوعبت جملة كبيرة من آياته ، واحتلت بقعة صالحة من تشبيهاته حتى أنه ليتعذر حصرها ، ويشكل جمعها . خذ مثلا لذلك آية النور في قوله تعالى : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 35 ) « 1 » . فالآية قد شبهت نور اللّه تعالى - وهو مفرد بعدة هيئات مركبة خلصت من خلالها إلى التشبيه المركب . قال الزركشي : « فإنه سبحانه أراد تشبيه نوره الذي يلقيه في قلب المؤمن ، ثم مثله بمصباح ، ثم لم يقنع بكل مصباح ، بل بمصباح اجتمعت فيه أسباب الإضاءة ، بوضعه في مشكاة ، وهي الطاقة غير النافذة ، وكونها لا تنفذ ، لتكون أجمع للتبصر ، وقد جعل فيها مصباح في داخل زجاجة ، فيه الكوكب الدري في صفائها ، ودهن المصباح ، من أصفى الأدهان وأقواها وقودا ، لأنه من زيت شجر في أوسط الزجاج ، لا شرقية ولا غربية ، فلا تصيبها الشمس في أحد طرفي النهار ، بل تصيبها أعدل إصابة » « 2 » . 3 - التشبيه باعتبار أداة التشبيه : وقد قسم البلاغيون التشبيه باعتبار أداة التشبيه إلى قسمين رئيسيين وهما : المرسل والمؤكد : أ - التشبيه المرسل : وهو ذلك التشبيه الذي ذكرت فيه أداة التشبيه : كالكاف وكأن ومثل وما شابهها من أدوات وألفاظ ، مثاله كل التشبيهات المتقدمة الذكر في هذا المبحث ، ومنها قوله تعالى : وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ . . . « 3 » .
--> ( 1 ) النور : 35 . ( 2 ) الزركشي ، البرهان : 3 / 423 . ( 3 ) الكهف : 29 .